المادة 23

أجهزة دولة الخلافة ثلاثة عشر جهازاً وهي:

١ - الخليفة (رئيس الدولة). ٢ - المعاونون (وزراء التفويض). ٣ - وزراء التنفيذ. ٤ - الولاية. ٥ - أمير الجهاد. ٦ - الأمن الداخلي. ٧ - الخارجية. ٨ - الصناعة. ٩ - القضاء. ١٠ - مصالح الناس (الجهاز الإداري). ١١ - بيت المال. ١٢ - الإعلام.

١٣ - مجلس الأمة (الشورى والحاسبة).

ودليلها فعل الرسول ﷺ لأنه قد أقام جهاز الدولة على هذا الشكل فقد كان هو ﷺ رئيس الدولة، وأمر المسلمين بأن يقيموا لهم رئيس دولة حين أمرهم بإقامة خليفة وإقامة إمام. قال ﷺ: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةِ لِقِي اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» أخرجته مسلم أي بيعة خليفة. وقد أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على لزوم إقامة خليفة لرسول الله ﷺ بعد موته. وقد ظهر تأكيد إجماع الصحابة على إقامة خليفة من تأخيرهم دفن رسول الله ﷺ عقب وفاته وانشغالهم بنصب خليفة له ﷺ.

وأما المعاونون فالدليل ما رواه أبو داود بإسناد جيد عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: "إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِالْأَمِيرِ خَيْرًا جَعَلَ لَهُ وَزِيرًا صَدِقًا، إِنَّ نَسِيَّ ذَكَرَهُ وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ. وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ عَيْبًا ذَلِكَ جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ سَوْءٍ، إِنَّ نَسِيَّ لَمْ يُذَكِّرْهُ وَإِنْ ذَكَرَ لَمْ يَعْنُهُ". وما رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا لَهُ وَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَوَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ قَامًا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ فِجْرِيْلٌ وَمِيكَائِيلُ وَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فَابُو بَكْرٍ وَعُمَرُ". ومعنى كلمة وزيراي هنا معاونان لي، لأن هذا هو معناها اللغوي، وأما كلمة وزير بالمعنى الذي يريدده الناس اليوم فهو اصطلاح غربي، لم يعرفه المسلمون ويخالف نظام الحكم في الإسلام كما هو مبين في بابه.

وأما وزير التنفيذ فهو الذي كان يسمى (الكاتب) على عهد رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين، ومهمته مساعدة الخليفة في التنفيذ والملاحقة والأداء.

روى البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَنْ يَتَعَلَّمُ كِتَابَ الْيَهُودِ حَتَّى تَكْتُبَ لِلنَّبِيِّ ﷺ كِتَابُهُ وَأَقْرَأْتُهُ كِتَابَهُمِ إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ». وروى ابن إسحق عن عبد الله بن الزبير "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَكْتَبَ عَبْدَ اللَّهِ بْنُ الْأَزْقَمِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، وَكَانَ يُحِبُّ عَنْهُ الْمُلُوكَ ...". وروى الحاكم في المستدرك وصحيحه ووافقه الذهبي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "أَتَى النَّبِيُّ ﷺ كِتَابُ رَجُلٍ، فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَزْقَمِ: أَجِبْ عَنِّي. فَكَتَبَ جَوَابَهُ ثُمَّ قَرَأَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَصْبَحْتُ وَأُحْسِنْتَ، اللَّهُمَّ وَفِّهْ، فَلَمَّْا وَلِيْ عُمَرُ كَانَ يُشَاوِرُهُ".

وأما الولاة فقد روى البخاري ومسلم عن أبي بردة: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا مُوسَى وَمُعَاذَ بْنِ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ، قَالَ: وَبَعَثْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْمَا عَلَى مَخْلَافٍ، قَالَ: وَالْيَمَنُ مَخْلَافَانِ». وفي رواية عند مسلم عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال: «لَنْ أَوْ لَا نَسْتَعْمِلَ عَلَى عُمَانَا مِنْ أَرَادِهِ، وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ يَا أَبَا مُوسَى أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ، فَبَعَثَهُ عَلَى الْيَمَنِ ثُمَّ أَنْبَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ». وعند البخاري ومسلم عن عمرو بن عوف الأنصاري: "... وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ صَاحِبُ أَهْلِ الْبَحْرِينِ وَأَمَرَ عَلَيْهِمْ الْعَلَاءَ بْنَ الْحُصَيْرِيِّ". وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: «وَوَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرَوَ بْنَ الْعَاصِ عَلَى عُمَانَ فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهَا حَتَّى بُضِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ».

وأما أمير الجهاد فدليله من السنة:

روى ابن سعد في الطبقات أن رسول الله ﷺ قال: "أَمِيرُ النَّاسِ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَإِنَّ قُتْلَ فَجْعَفَرِ بْنِ أَيِّ طَالِبٍ، فَإِنَّ قُتْلَ فَعْبَدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، فَإِنَّ قُتْلَ فَلْيُرْتَضِ الْمُسْلِمُونَ بَيْنَهُمْ رَجُلًا فَيَجْعَلُوهُ عَلَيْهِمْ" وروى البخاري عن عبد الله بن عمر قال: "أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ...". وروى البخاري في حديث سلمة بن الأكوع قال: "غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ وَغَزَوْتُ مَعَ ابْنُ حَارِثَةَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْنَا". وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْثًا وَأَمَرَ عَلَيْهِمْ أَسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمَارَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَإِمُّ اللَّهِ إِنْ كَانَ خَلِيلًا لِلإِمَارَةِ...". وروى مسلم عن بريدة قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَرَ أَمِيرًا عَلَى جُنْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ...".

وأما الأمن الداخلي فهذه الدائرة يرأسها صاحب الشرطة ومهمتها حفظ الأمن في دار الإسلام، فإن عجزت تولى ذلك الجيش بإذن الخليفة. دليلها ما رواه البخاري عن أنس "كَانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ بِنَزَلَةٍ صَاحِبِ الشَّرِطِ مِنْ الأَمِيرِ".

وأما الخارجية فقد كان الرسول ﷺ يُقيم العلاقات الخارجية مع الدول والكيانات الأخرى. وقد أرسل ﷺ عثمان بن عفان ليفاوض قريشاً، كما فاوض هو ﷺ رسل قريش، وكذلك أرسل الرسول إلى الملوك، كما استقبل رسل الملوك والأمراء، وعقد الاتفاقات والمصالحات. وكذلك كان خلفاؤه من بعده يُقيمون العلاقات السياسية مع غيرهم من الدول والكيانات. كما كانوا يُولّون من يقوم عنهم بذلك، على أساس أن ما يقوم به الشخص بنفسه له أن يُوكِل فيه عنه، وأن يُنيب عنه من يقوم له به.

وأما الصناعة فدليلها الكتاب والسنة: قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا أَسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رَبَاطِ الْخَيْلِ تُرَهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخِرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تَنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوفَى إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَضْلَمُونَ﴾ [الأنفال]. وأما السنة فروى ابن سعد في الطبقات عن مكحول "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَصَبَ الْمُنْجَبِقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا". وقال الواقدي في المغازي: "وَشَاورَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَى أَنْ تُنَصِّبَ الْمُنْجَبِيْقَ عَلَى حَصْنِهِمْ، فَإِذَا كُنَّا بِأَرْضِ فَارِسَ نُنَصِّبُ الْمُنْجَبِيْقَاتِ عَلَى الْحُصُونِ وَتُنَصِّبُ عَلَيْهَا. فَنُصِيبُ مِنْ عُدْوَانَا وَيُصِيبُ مِنْهَا بِالْمُنْجَبِيْقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُنْجَبِيْقُ طَالِ الثَّوَاءِ؛ فَإِمْرُهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَعَمِلَ مُنْجَبِيْقاً بِهِ، فَنَصَبَهُ عَلَى حَصْنِ الطَّائِفِ ...". وقال ابن إسحاق في سيرته: "حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الشَّدَّخَةِ عِنْدَ جِدَارِ الطَّائِفِ، دَخَلَ نَفْرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَحْتَ دُبَابَةٍ، ثُمَّ زَحَفُوا بِهَا إِلَى جِدَارِ الطَّائِفِ لِيَخْرُفُوهُ ...". ثُمَّ إنِ إعداد ما يرهب العدو واجب ولا يكون هذا الإعداد إلا بالتصنيع فكان التصنيع واجباً من باب (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، ويديره الخليفة أو من ينبيه.

وأما القضاء فقد كان عَلَى اللهِ يتولى القضاء بنفسه، ويقلد غيره القضاء بين الناس. أما توليه القضاء بنفسه فعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنْكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضُكُمْ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ يُحَجَّتْهُ مِنْ بَعْضٍ وَأَقْضَيْ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا اسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئاً فَلَا يَأْخُذُ، فَإِذَا أَقْطَعْتُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ" رواه الشيخان واللفظ للبخاري. وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني قالآ: "جَاءَ أَغْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ. فَقَامَ حَصْنُهُ فَقَالَ: صَدَقَ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ ...". رواه الشيخان واللفظ للبخاري. وأما تقليده غيره فدليله ما رواه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْيَمْنِ عَلِيًّا فَقَالَ: عَلِمْتُهُمْ الشَّرَاعَ وَأَقْضَى بَيْنَهُمْ. قَالَ: لَا عَلِمَ لِي بِالْقَضَاءِ. فَدَفَعَ فِي صَدْرِهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِهِ لِلْقَضَاءِ". وما رواه الحاكم أيضاً وصححه ووافقه الذهبي عن علي رضي الله عنه قال: "بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْيَمْنِ فَقُلْتُ: تَبِعْنِي إِلَى قَوْمٍ ذَوِي أَسْنَانٍ وَأَنَا حَدَّثْتُ السَّنَى! قَالَ: إِذَا جَلَسَ إِلَيْكَ الْحَصْنَانُ فَلَا تَقْضِ لَاحْدِهِمَا حَتَّى تَسْمَعَ مِنْ الْآخِرِ كَمَا سَمِعْتَ مِنْ الْأَوَّلِ. قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا زَلْتُ قَاضِيًّا".

وأما الإجماع فقد حكاه الماوردي في الحاوي قال: "وقد حَكَمَ الخلفاءُ الراشدون بين الناس وقَلَّدُوا القضاة والحُكامَ ... فصارَ ذلك من فعلهم إجماعاً". وحكاه ابن قدامه في المغني قال: "وأَجْمَعَ المسلمون على مُشْرُوعِيَّةِ نَصْبِ القضاة".

وأما مصالح الناس (الجهاز الإداري) فقد كان رسول الله ﷺ يدير المصالح ويعين كتاباً لإدارتها، فكان عليه الصلاة والسلام يدير مصالح الناس في المدينة، يرعى شؤونهم، ويحل مشاكلهم، وينظم علاقاتهم، ويؤمن حاجاتهم، ويوجههم فيها لما يصلح أمرهم. وكل هذه من الشؤون الإدارية التي تيسر عيشهم دون مشاكل أو تعقيد:

ففي أمور التعليم، جعل رسول الله ﷺ فداء الأسرى من الكفار تعليم عشرة من أبناء المسلمين، وبديل الفداء هو من الغنائم، وهي ملك للمسلمين؛ فكان تأمين التعليم مصلحة من مصالح المسلمين.

وفي التطبيب، أهدى إلى رسول الله ﷺ طيباً فجعله للمسلمين، فكون رسول الله ﷺ جاءته هدية فلم يتصرف بها، ولم يأخذها، بل جعلها للمسلمين، دليل على أن التطبيب مصلحة من مصالح المسلمين. وقد صح عن عائشة رضي الله عنها في الحديث المتفق عليه، قالت: «أَصِيبَ سَعْدُ يَوْمَ الْحُنَيْدِ رَمَاءَ رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْعَرَقَةِ رَمَاءُ فِي الْأَكْحَلِ فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ يَعُودُهُ مِنْ قَرِيبٍ ...»، فاعتناء الرسول ﷺ، وهو رئيس دولة، بسعد في مرضه داخل المسجد يفهم منه أن التطبيب مصلحة من مصالح المسلمين ترعاها الدولة. وقد سار على ذلك الخلفاء الراشدون. أخرج الحاكم في المستدرك عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: (مرضت في زمان عمر بن الخطاب مرضاً شديداً فدعا لي عمر طيباً فحماني حتى كنت أمص النواة من شدة الحمية).

وفي شؤون العمل، فقد أرشد رسول الله ﷺ رجلاً أن يشتري حبلًا ثم فأساً، ويختطب ويبيع للناس بدل أن يسألمهم، هذا يعطيه وهذا يرده، كما في الحديث الذي أخرجه أبو داود وابن ماجة ، وجاء فيه: «... واشتُرِ بالدَّرْهَمِ الآخِرَ قَدُوماً فَاثْنِ بِهِ، فَاثْنَاهُ بِهِ، فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَوْداً يَبْدَهُ ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ وَاحْتَطِبْ وَبِعْ، فَلَا أَرِيْنَكَ حُمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَفَعَلَ، فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ...» وقال رسول الله ﷺ فيما أخرجه البخاري: «لَاَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِي بِحُمْرَةٍ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِعَهَا فَيَكُفَ اللهُ بِهَا وَجَهَهُ حَيْثُ لَمْ يَنْسَأَلِ النَّاسَ أَعْطُوهُ أَوْ مَنْعُوهُ». فكان حلُّ مشاكل العمل كذلك مصلحة للمسلمين.

وفي شؤون الطرق، فقد نظم رسول الله ﷺ الطرق في وقته بأن جعل الطريق سبعة أذرع عند التنازع. روى البخاري في (باب الطريق الميتاء) من طريق أبي هريرة «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَشَاجَرُوا فِي الطَّرِيقِ بِسَبْعَةِ أَذْرَعٍ»، ورواية مسلم «إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ جَعَلُوا عَرْضَهُ سَبْعَ أَذْرَعٍ» وهو تنظيم إداري في ذلك الوقت، وإذا كانت الحاجة لأكثر كان، كما في مذهب الشافعي.

وفي الزراعة، فقد اختلف الزبير رضي الله عنه ورجل من الأنصار في السقي من سيل ماء يمر من أرضهما، فقال ﷺ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ» متفق عليه واللفظ لمسلم.

وهكذا كان ﷺ يدير مصالح الناس، وسائر الخلفاء الراشدين من بعده يديرونها أو يعينون من يديرها.

وأما بيت المال، فإن الأدلة متضاربة على أن بيت المال كان تابعاً للرسول ﷺ مباشرة، أو لمن يولي عليه بإذنه، فقد كان رسول الله ﷺ يباشر بنفسه أحياناً خزن المال، وكانت له خزانة. وكان يباشر بعض المال، وتوزيعه، ووضععه مواضعه. وأحياناً كان يولي غيره هذه الأمور. وكذلك كان يفعل خلفاؤه الراشدون من بعده، حيث كانوا يتولون بأنفسهم أمور بيت المال أو ينيبون عنهم غيرهم.

فقد كان رسول الله ﷺ يضع المال إما في المسجد، كما روى البخاري عن أنس قال: «أَيُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَمَالٍ مِنْ الْبَحْرِينِ فَقَالَ: انْشُرُوهُ فِي الْمَسْجِدِ» وإما في حُجْرَةٍ من حُجَر زوجاته، كما روى البخاري عن عقبة قال: «صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرِ، فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا، فَتَحَطَّى رَقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزَعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَحَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَرَأَى أَنْهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ، فَقَالَ: ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ بَرٍّ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يُحَسَّنِي، فَامْرُوتُ بِقَسَمَتِهِ».

وفي عهد الراشدين صار المكان الذي يحفظ فيه المال يسمى بيت المال، ذكر ابن سعد في الطبقات عن سهل بن أبي حنمة وغيره: «أن أبا بكر كان له بيت مال بالسنع ليس يحرسه أحد، فقيال له: ألا تجعل عليه من يحرسه؟ قال: عليه قفل. فكان يعطي ما فيه حتى يفرغ. فلما انتقل إلى المدينة، حوَّله فجعله في داره». وروى هناد في الزهد بإسناد جيد عن أنس قال: «جاء رجل إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، املني فإني أريد الجهاد، فقال عمر لرجل: خذ بيده فأدخله بيت المال يأخذ ما يشاء...».

وأما الإعلام فدليله الكتاب والسنة.

أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَأِذَا جَاءَ هُمْ أَمْرُنَا مِنْ الْأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَدَا عَوْفَ بِهِ، وَلَوْ رَدُّوه إِلَى الرَّسُولِ وَلِئَلَّا أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء ٨٣]. وموضوع الآية الأخبار.

وأما السنة فحديث ابن عباس في فتح مكة عند الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وفيه: «وقد عميت الأخبار على قريش، فلا يأتيهم خبر رسول الله ﷺ ولا يدرون ما هو صانع». ومرسل أبي سلمة عند ابن أبي شيبة وفيه: ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَائِشَةَ: «جَهَنِّي وَلَا تُغْلِي بِذَلِكَ أَحَدًا، ... ثُمَّ أَمَرَ بِالطَّرِيقِ فَحَيْسَتْ، فَعَمِّي عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ لَا يَأْتِيهِمْ خَبَرٌ».

وهذا يدل على أن الإعلام المتعلق بأمن الدولة مرتبط بالخليفة أو بجهاز ينشئه لهذا الغرض.

وأما مجلس الشورى فإن الرسول ﷺ لم يكن له مجلس معين دائماً، بل كان يستشير المسلمين في أوقات متعددة استجابةً لقوله سبحانه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، ومن هذه المناورات ما رواه مسلم عن أنس يوم بدر "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ شَاوَرَ حِينَ بَلَغَهُ إِفْبَالُ أَبِي سَفِيَانَ. قَالَ: فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ عَمْرُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ: يَا أَيَّتَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَمَرْنَا أَنْ نُخِصَّهَا الْبَحْرَ لَأَخْضَنَاهَا، وَلَوْ أَمَرْنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرَكِ الْعَمَادِ لَفَعَلْنَا. قَالَ فَدَبَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بِدَرْأٍ" ومنها ما رواه البخاري يوم الحديبية من طريق المسور ومروان قال ا "وَسَارَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى كَانَ بِعْدِيرِ الْأَشْطَاطِ آتَاهُ عَيْنُهُ، قَالَ إِنَّ قُرَيْشًا جَمَعُوا لَكِ جُمُوعًا، وَقَدْ جَمَعُوا لَكِ الْأَحَابِيشَ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُوكَ عَنِ الْبَيْتِ، وَمَا نَعُوكَ. فَقَالَ: أَشِيرُوا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيَّ، أَتَرَوْنَ أَنَّ أَمِيلَ إِلَى عَيَّاهُمْ وَذَرَارِي هَوْلَاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَصُدُّونَا عَنِ الْبَيْتِ؟ فَإِنَّ يَٰثُونَ كَانُ اللهُ عَرَّ وَجَلَّ قَدْ قَطَعَ عَيْنًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَلَا تَرَكْنَاهُمْ حُرُوبِينَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ خَرَجَتِ عَامِدًا هَذَا الْبَيْتَ لَا تُرِيدُ قَتْلَ أَحَدٍ وَلَا حَرْبَ أَحَدٍ، فَتَوَجَّهَ لَهُ فَمِنْ صَدَدَنَا عَنْهُ فَاتْلَنَا. قَالَ اْمُضُوا عَلَى اسْمِ اللهِ ...". إلا أنه ﷺ مع جَمْعِهِ للمسلمين واستشارتهم كان يدعو أشخاصاً معينين بشكل دائم يستشيرهم، وكانوا من نقباء القوم، وهم حمزة، وأبو بكر، وجعفر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وسليمان، وعمار، وحذيفة، وأبو ذر، والمقداد، وبلاال.

فكانوا بمثابة مجلس شورى له ﷺ لاختصاصه إياهم دائماً بالشورى. وكذلك كان الخلفاء الراشدون يشاورون الناس بعمامة، ويخصون بالمشاوره أعداداً، فقد كان أبو بكر رضي الله عنه يختص رجالاً من المهاجرين والأنصار يرجع إليهم لأخذ رأيهم إذا نزل به أمر يكون كأهل الشورى لديه. وكان أهل الشورى في عهد أبي بكر ﷺ هم العلماء وأصحاب الفتوى. أخرج ابن سعد عن القاسم: «أن أبا بكر الصديق كان إذا نزل به أمر يريد مشاورة أهل الرأي وأهل الفقه فيه، دعا رجالاً من المهاجرين والأنصار، دعا عمر، وعثمان، وعلياً، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت»، وكل هؤلاء كان يفتي في خلافة أبي بكر، وإنما تصير فتوى الناس إلى هؤلاء، فمضى أبو بكر على ذلك، ثم ولي عمر فكان يدعو هؤلاء النفر.

كل ذلك يدل على اتخاذ مجلس خاص ينوب عن الأمة في الشورى النابذة بنص القرآن والسنة، يطلق عليه: مجلس الأمة لأنه نائب عن الأمة في (الشورى). ويكون عمله كذلك (الحاسبة) للأدلة الواردة فيها. روى مسلم «سَتَكُونُ أُمَّةٌ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِيًّا، وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِيْمًا، وَلَكِنَّ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالَوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: لَا مَا صَلَّوْا». والصلاة هنا كناية عن الحكم بالإسلام.

ومن الحاسبة إنكار المسلمين أول الأمر، وعلى رأسهم عمر، على أبي بكر عزمه على محاربة المرتدين، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: «لَمَّا تُوِّيْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﷺ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: كَيْفَ نُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ فَأَقَدَ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِجَحْدِهِ، وَحَسَابُهُ عَلَى اللهِ. فَقَالَ: وَاللهِ، لَا يُقَاتِلُنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالرِّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللَّهِ، لَوْ مَنْعُونِي عَنْقاً كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ ﷺ فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ قَدْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ ﷺ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ».

كما أنكر بلال بن رباح والزبير وغيرهم على عمر تقسيمه أرض العراق على الحاربين. وكما أنكر أعرابي على عمر حمايته لبعض الأرض، فقد روى أبو عبيد في الأموال عن عامر بن عبد الله بن الزبير أحسبه عن أبيه قال: «أتى أعرابي عمر فقال: يا أمير المؤمنين، بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية، وأسلمنا عليها في الإسلام، علام تحمينا؟ قال: فأطرق عمر، وجعل ينفخ ويفتل شاربه، وكان إذا كربه أمر فتل شاربه ونفخ، فلما رأى الأعرابي ما به جعل يردد ذلك عليه، فقال عمر: المال مال الله، والعباد عباد الله، والله لولا ما أحمل عليه في سبيل الله ما حيت من الأرض شبراً في شبر» وكان عمر قد حمي لخيال المسلمين بعض أراضي الملكية العامة. وكما أنكرت عليه امرأة تحيه عن أن يزيد الناس في المهور على أربعمائة درهم، فقالت له: ليس هذا لك يا عمر: أما سمعت قول الله سبحانه: ﴿وَأَتِيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قُنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء ٢٠] فقال: أصابت امرأة وأخطأ عمر.

وهكذا فإنه يتبين من شرح هذه المادة أن الرسول ﷺ قد أقام جهازاً معيناً للدولة على شكل مخصص، وظل يسير بحسبه إلى أن التحقق بالرفيق الأعلى، ثم جاء خلفاؤه من بعده فساروا على ذلك، يحكمون حسب هذا الجهاز الذي أقامه الرسول ﷺ بعينه، وكان ذلك على مرأى ومسمع من الصحابة، ولهذا فإنه يتعين أن يكون جهاز الدولة الإسلامية على هذا الشكل.

الخلافة

‹ ›