المادة 34
طريقة نصب الخليفة هي البعة. أما الإجراءات العملية لتنصيب الخليفة وبيعه فهي:
أ - تعلن محكمة المظالم شغور منصب الخلافة.
ب - يتولى الأمير المؤقت مهامه ويعلن فتح باب الترشيح فوراً.
ج - يتم قبول طلبات المرشحين المستوفين لشروط الانعقاد، وتستبعد الطلبات الأخرى، بقرار من محكمة المظالم.
د - المرشحون الذين تقبل محكمة المظالم طلباتهم، يقوم الأعضاء المسلمون في مجلس الأمة بحصرهم مرتين: في الأولى يختارون منهم ستة بأغلبية الأصوات، وفي الثانية يختارون من الستة اثنين بأغلبية الأصوات.
هـ - يعلن السبا الاثنين، ويطلب من المسلمين انتخاب واحد منهما.
و - تعلن نتيجة الانتخابات ويعرف المسلمون من نال أكثر أصوات المنتخبين.
ز - يبادر المسلمون بمبايعة من نال أكثر الأصوات خليفة للمسلمين على العمل بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ .
ح - بعد قيام البعة يعلن من أصبح خليفة للمسلمين للمال حتى يبلغ خبر نصبه الأمة كافة، مع ذكر اسمه وكونه يحوز الصفات التي تجعله أهلاً لانعقاد الخلافة له.
ط - بعد الفراغ من إجراءات تنصيب الخليفة الجديد تنتهي ولاية الأمير المؤقت.
حين أوجب الشرع على الأمة نصب خليفة عليها، حدد لها الطريقة التي يجري بها نصب الخلافة، وهذه الطريقة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة. وتلك الطريقة هي البعة. فيجري نصب الخلافة ببيعة المسلمين له على العمل بكتاب الله وسنة رسوله. والمقصود بالمسلمين هم الرعاية المسلمون للخليفة السابق إن كانت الخلافة قائمة، أو مسلمو أهل القطر الذي تقام الخلافة فيه إن لم تكن الخلافة قائمة.
أما كون هذه الطريقة هي البعة فهي ثابتة من بعة المسلمين للرسول ﷺ، ومن أمر الرسول ﷺ لنا ببيعة الإمام. أما بعة المسلمين للرسول ﷺ، فإنها ليست بعة على النبوة، وإنما هي بعة على الحكم، إذ هي بعة على العمل، وليست بعة على التصديق. فبُويع ﷺ على اعتباره حاكماً، لا على اعتباره نبيّاً ورسولاً؛ لأن الإقرار بالنبوة والرسالة إيمان وليس بعة، فلم تبقى إلا أن تكون البعة له باعتباره رئيس الدولة. وقد وردت البعة في القرآن والحديث. قال تعالى: ﴿يَأْتِيهِ الْبُشْرَىٰ إِذَا جَاءَكَ الْمُرْجَانُ مُبَايَعَتَكَ عَلَىٰ أَنْ لَا يُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقُونَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلُونَ أَوْلَادَهُمْ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَنٍ يَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ وَلَا يَعَصِبَنَّكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَاعِيهِمْ﴾ [المتحننة ١٢]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ ۚ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ [الفتح ١٠]. وروى البخاري قال: حدثنا إسماعيل، حدثني مالك عن يحيى بن سعيد قال: أخبرني عُبادة بن الوليد، أخبرني أبي عن عُبادة بن الصامت قال: «يَابِيعَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي الْمُنْشَطِ وَالْمُكْرِه، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأُمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نُقَوْمَ أَوْ نُقُولَ بِأَحُقِّ حَيْثُ مَا كُنَّا، لَا نُخَافُ فِي اللَّهِ لُومَهُ لَائِمٍ.» وفي مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: «... وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفَقَةً يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيَطْعَهُ إِنْ اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخِرُ يَنَازِعِهِ فَأَضَرِبُوا عُنُقَ الْآخِرِ.» وفي مسلم أيضاً عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا بُيِعَ خَلِيفَتُنِ فَافْتَلُوا الْآخِرَ مِنْهُمْ.» وروى مسلم عن أبي حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين، فسمعته يحدث عن النبي ﷺ قال: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، كُلُّمَا هَلَكَ نَبِيُّ خَلْقِهِ نَبِيُّ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيٍّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلْفَاءُ فِيَكُثُرُونَ، قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: فُؤَا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتُرِعَاهُمْ.» فالنصوص صريحة من الكتاب والسنة بأن طريقة نصب الخليفة هي البيعة. وقد فُهم ذلك جميع الصحابة، وساروا عليه، وبيعة الخلفاء الراشدين واضحة في ذلك.
وأما الإجراءات العملية، التي تتم بها عملية تنصيب الخليفة، قبل أن يُبايع، فإنها تفهم مما حصل مع الخلفاء الراشدين، الذين جاءوا عقب وفاة الرسول ﷺ مباشرة، وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، رضوان الله عليهم، وقد سكت عنها جميع الصحابة، وأقروها، مع أنها مما ينكر لو كانت مخالفة للشرع؛ لأنها تتعلق بأهم شيء يتوقف عليه كيان المسلمين، وبقاء الحكم بالإسلام. ومن تتبّع ما حصل في نصب هؤلاء الخلفاء، نجد أن بعض المسلمين قد تناقشوا في سقيفة بني ساعدة، وكان المرشحون سعداً، وأبا عبيدة، وعمر، وأبا بكر، إلا أن عمر وأبا عبيدة لم يرضيا أن يكونا منافسين لأبي بكر، فكَانَ الأمر كان بين أبي بكر وسعد بن عبادе ليس غير، ونتيجة المناقشة بُويِعَ أبو بكر. ثم في اليوم الثاني دعي المسلمون إلى المسجد فبايعوه، فكانت بيعة السقيفة بيعة انعقاد، صار بها خليفة للمسلمين، وكانت بيعة المسجد في اليوم الثاني بيعة طاعة. وحين أحس أبو بكر بأن مرضه مرض موت، وبخاصة وأن جيوش المسلمين كانت في قتال مع الدول الكبرى آنذاك الفرس والروم، دعا المسلمين يستشيرهم فيمن يكون خليفة للمسلمين، ومكت مدة ثلاثة أشهر في هذه الاستشارات. ولما أتمها وعرف رأي أكثر المسلمين، عهد لهم، أي (رَشَح) بلغة اليوم، ليكون عمر الخليفة بعده، ولم يكن هذا العهد أو الترشيح عقداً لعمر بالخلافة من بعده؛ لأن المسلمين بعد وفاة أبي بكر ﷺ حضروا إلى المسجد، وبايعوا عمر بالخلافة، فصار بهذه البيعه خليفة للمسلمين، وليس بالاستشارات، ولا بعهد أبي بكر؛ لأن ترشيحه من أبي بكر لو كان عقداً للخلافة لعمر لما احتاج إلى بيعة للمسلمين، هذا فضلاً عن النصوص التي ذكرناها سابقاً التي تدل صراحة على أنه لا يصبح أحد خليفة إلا بالبيعة من المسلمين. وحين طعن عمر، طلب منه المسلمون أن يستخلف فابنِي، فألحوا عليه فجعلها في ستة، أي (رَشَح) لهم ستة، ثم عين صهيماً ليصلي بالناس، وليقوم على من رشحهم عمر حتى يختاروا من بينهم الخليفة خلال الأيام الثلاثة التي عينها لهم، وقد قال لصهيب: «... فإن اجتمع خمسة، ورضوا رجلاً، وأبي واحد، فاشدخ رأسه أو اضرب رأسه بالسيف...» كما نقل ذلك الطبري في تاريخه، وابن قتيبة صاحب كتاب الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء، وابن سعد في الطبقات الكبرى، ثم عين أبا طلحة الأنصاري مع خمسين رجلاً لحراستهم، وكلف المقداد بن الأسود أن يختار للمرشحين مكان اجتماعهم، ثم بعد وفاته ﷺ، وبعد أن استقر المجلس بالمرشحين، قال عبد الرحمن بن عوف: أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن يوليها أفضلكم فسكت الجميع، فقال عبد الرحمن أنا أخلع نفسي ثم أخذ يستشيرهم واحداً واحداً يسألمهم أنه لو صرف النظر عنه من كان يرى فيهم أحق بها، فكان جوابهم محصوراً في اثنين: علي وعثمان. بعد ذلك رجع عبد الرحمن لرأي المسلمين يسألمهم أي الاثنين يريدون: يسأل الرجال والنساء، يستطلع رأي الناس، ولم يكن ﷺ يعمل في النهار فحسب بل في الليل كذلك. أخرج البخاري من طريق المسنور بن حمره قال: «طَرَقَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَعْدَ هَجْرٍ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَرَّبَ الْبَابَ حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ، فَقَالَ أَرَآكَ نَائِمًا، فَوَاللَّهِ مَا أَكْتَحَلْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ بِكَبِيرِ نَوْمٍ». فلما صلى الناس الصبح تمت بيعة عثمان. فصار خليفة ببيعة المسلمين، لا يجعلها عمر في ستة. ثم قُتِلَ عثمان، فباع جمهور المسلمين في المدينة والكوفة عليّ بن أبي طالب، فصار خليفة ببيعة المسلمين.
وبالتدقيق في كيفية مبايعتهم، رضوان الله عليهم، يتبين أن المرشحين للخلافة كانوا يُعلنون للناس، وأن شروط الانعقاد تتوفر في كلّ منهم، ثم يؤخذ رأي أهل الحل والعقد من المسلمين، الممثلين للأمة، وكان الممثلون معروفين في عصر الخلفاء الراشدين، حيث هم كانوا الصحابة، رضوان الله عليهم، أو أهل المدينة. ومَن كان الصحابة أو أكثرتهم يريدونه ببيع بيعة الانعقاد، وأصبح الخليفة، ووجبت له الطاعة، فيبايعه المسلمون ببيعة الطاعة. وهكذا يوجد الخليفة، ويصبح نائباً عن الأمة في الحكم والسلطان.
أما حصر المرشحين، فمن تتبع كيفية تنصيب الخلفاء الراشدين، يتبين أن هناك حصراً للمرشحين كان يتم، ففي سقيفة بني ساعدة كان المرشحون أبا بكر، وعمر، وأبا عبيدة، وسعد بن عبادе، واكتفى بهم، لكن عمر وأبا عبيدة لَمْ يَكُونَا يَعْدِلَانِ بِأَبِي بَكْرٍ فُلَمْ يَنافَسَاهُ عَلَيْهَا، وَأَصْبَحَ التَّرْشِيحُ عَمَلِيًّا بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَسَعْدِ بْنِ عِبَادَةَ، ثُمَّ ائْتَخَبَ أَهْلُ الْحَلِ وَالْعَقْدِ فِي السَّقِيفَةِ أَبَا بَكْرٍ خَلِيفَةً وَبَايَعُوهُ بِيْعَةَ الانْعِقَادِ، ثُمَّ فِي الْيَوْمِ التَّالِي بَايَعَ الْمُسْلِمُونَ أَبَا بَكْرٍ فِي الْمَسْجِدِ بِيْعَةَ الطَّاعَةِ.
وَرَشَحَ أَبُو بَكْرٍ لِلْمُسْلِمِينَ عَمْرُ خَلِيفَةً وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَرْشَحُ آخَرَ، ثُمَّ بَايَعَهُ الْمُسْلِمُونَ بِيْعَةَ الانْعِقَادِ ثُمَّ بِيْعَةَ الطَّاعَةِ.
وَرَشَحَ عَمْرُ لِلْمُسْلِمِينَ سِتَّةً وَحَصَرَهَا فِيهِمْ يَنْتَخِبُونَ مِنْ بَيْنِهِمْ خَلِيفَةً، ثُمَّ نَاقَشَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْخَمْسَةَ الْبَاقِينَ وَحَصَرَهُمْ فِي اثْنَيْنِ: عَلِيٍّ وَعَثْمَانَ، بَعْدَ أَنْ وَكَلَهُ الْبَاقُونَ. وَبَعْدَ ذَلِكَ اسْتَطَلَعَ رَأْيَ النَّاسِ وَاسْتَقَرَّ الرَّأْيُ عَلَى عَثْمَانَ خَلِيفَةً.
وَأَمَّا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فُلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَرْشَحُ آخَرَ لِلخِلَافَةِ فَبَايَعَتَهُ جَمْهُرَةُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ وَصَارَ الْخَلِيفَةُ الرَّابِعُ.
وَلَأَنْ بِيْعَةَ عَثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ تَمَحَّقَ فِيهَا: أَقْصَى الْمَدَّةَ الْمَسْمُوحَ بِهَا لَإِنْتَخَابِ الْخَلِيفَةِ أَيِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلِيلَإِيهَا، وَكَذَلِكَ حَصَرَ الْمَرْشَحِينَ بِسِتَّةٍ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِ بَائِثَيْنِ، فَإِنَّا سَنَذْكُرُ كَيْفِيَّةَ حُدُوثِهَا بِشَيْءٍ مِنَ التَّفَصِيلِ لِفَائدَتِهَا فِيمَا نُحِنُ بِصَدَدِهِ:
١ - تَوُفِي عَمْرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْأَحَدِ صَبَاحاً مَسْتهِلَ الْحَرَمِ سَنَةَ ٢٤ هِجْرِيَّةً عَلَى أَثَرِ طَعَنِهِ مِنْ أَيِّ لُؤْلُؤَةٍ لَعَنَهُ اللَّهُ، حَيْثُ كَانَ عَمْرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَائِمًا يَصْلِي فِي الْحَرَابِ فَجَرَ الْأَرْبَعَاءُ لِأَرْبِيعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ٢٣ هِجْرِيَّةً. وَقَدْ صَلَى عَلَيْهِ صَهِيبُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفَقَ مَا أَوْصَى بِهِ عَمْرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
٢ - فَلَمَّا فَرِغَ مِنْ شَأْنِ عَمْرٍ، جَمَعَ الْمَقَادَادَ أَهْلَ الشُّورَى السِّتَّةَ الَّذِينَ أَوْصَى لَهُمْ عَمْرُ فِي أَحَدِ الْيَوْمِ، وَقَامَ أَبُو طَلْحَةَ بَحْجَبِهِمْ، فَجَلَسُوا يتشاورون، ثم وكلوا عبد الرحمن بن عوف أن يختار منهم خليفةً وهم راضون.
٣ - بدأ عبد الرحمن نقاشهم وسؤال كل منهم: إن لم يكن هو الخليفة فمن يرى الخليفة من الباقيين؟ وكان جوابهم لا يعدو علياً وعثمان. وبالتالي حصر عبد الرحمن الأمر باثنين من ستة.
٤ - بعد ذلك أخذ عبد الرحمن يستشير الناس كما هو معروف.
٥ - في ليلة الأربعة أي ليلة اليوم الثالث بعد يوم وفاة عمر ﷺ (الأحد)، ذهب عبد الرحمن إلى دار ابن أخته المسور بن مخرمة، وهنا أنقل من البداية والنهاية لابن كثير:
(فلما كانت الليلة التي يسفر صباحها عن اليوم الرابع من موت عمر، جاء - أي عبد الرحمن بن عوف - إلى منزل ابن أخته المسور بن مخرمة فقال: أنأتم يا مسور؟ والله لم أغتض بكثير نوم منذ ثلاث ... ) أي الليالي الثلاث بعد وفاة عمر الأحد صباحاً، أي ليلة الاثنين، وليلة الثلاثاء، وليلة الأربعة، إلى أن قال: (إذهب فادع إليَّ علياً وعثمان ... ثم خرج بمها إلى المسجد ... ونودي في الناس عامة: الصلاة جامعة ... ) وكان ذلك فجر الأربعة، ثم أخذ بيد علي، رضي الله عنه وكرم الله وجهه، وسأله عن المبايعه على كتاب الله وسنة رسوله وفعل أبي بكر وعمر، فأجابه علي رضي الله عنه الجواب المعروف: على الكتاب والسنة نعم، أما فعل أبي بكر وعمر فإنه يجتهد رأيه، فأرسل يده، ثم أخذ بيد عثمان وسأله السؤال نفسه فقال: اللهم نعم، وقمت البيعة لعثمان رضي الله عنه.
وصلى صهيب بالناس الصبح وصلى الظهر من ذلك اليوم، ثم صلى عثمان رضي الله عنه بالناس العصر خليفةً للمسلمين. أي أنه على الرغم من بدء بيعة الانعقاد لعثمان رضي الله عنه عند صلاة الصبح، إلا أن إمرة صهيب لم تنته إلا بعد بيعة أهل الحل والعقد في المدينة لعثمان، وقد أكملت قبيل العصر حيث كان الصحابية يتداعون لبيعَة عثمان إلى ما بعد منتصف ذلك النهار وقبيل العصر، وقد اتمل الأمر قبيل العصر، فانتهت إمرة صهيب وصلى عثمان بالناس العصر خليفةً لهم.
ويفسر صاحب البداية والنهاية لماذا صلى صهيب بالناس الظهر علماً بان أمر البيعَة لعثمان قد تم عند الفجر فيقول: (... بايعه الناس في المسجد، ثم ذُهِب به إلى دار الشورى «أي البيت الذي اجتمع فيه أهل الشورى» فبايعه ببيعة الناس، وكأنه لم يُتم البيعَة إلا بعد الظهر، و صلى صهيب يومئذٍ الظهر في المسجد النبوي، وكان أول صلاة صلاها خليفة أمير المؤمنين عثمان بالمسلمين هي صلاة العصر...).
وعليه فإن الأمور التالية يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند الترشيح للخلافة بعد شغورها (بالوفاة أو العزل ... وهي:
١ - العمل في موضوع الترشيح يكون في الليل والنهار طيلة أيام المهلة.
٢ - حضر المرشحين من حيث توفر شروط الانعقاد، وهذه تقوم بما محكمة المظالم.
٣ - حضر المرشحين المؤهلين مرتين: الأولى بستة، والثانية باثنين، والذي يقوم بهاتين هو مجلس الأمة باعتباره ممثلاً للأمة؛ لأن الأمة فوضت عمر فجعلها ستة، والستة فوضوا من بينهم عبد الرحمن فجعلها بعد النقاش في اثنين، ومرجع كل هذا كما هو واضح هي الأمة أي ممثلوها.
٤ - بعد إتمام الانتخابات والبيعَة يُعلن على الملاء من أصبح خليفة للمسلمين حتى يبلغ خبر نصيبه الأمة كافة، مع ذكر اسمه وكونه يحوز الصفات التي تجعله أهلاً لانعقاد الخلافة له.
٥ - تنتهي صلاحية الأمير المؤقت باكتمال إجراءات البيع التي يديرها، وتنصيب الخليفة، وليس بإعلان نتيجة الانتخابات، فصهيب لم تنته إمرته بانتخاب عثمان بل باكتمال بيعته.
هذا إذا كان هنالك خليفة مات أو عزل ... ويُراد إيجاد خليفة مكانه.
أما إذا لم يكن هنالك خليفة مطلقاً، وأصبح فرضاً على المسلمين أن يقيموا خليفة لهم؛ لتنفيذ أحكام الشرع، وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، كما هي الحال منذ زوال الخلافة الإسلامية في اسطنبول، بتاريخ الثامن والعشرين من رجب ١٣٤٢هـ، الموافق ٣ أذار ١٩٢٤م، فإن كل قطر من الأقطار الإسلامية الموجودة في العالم الإسلامي أهل لأن يُباع خليفة، وتنعقد به الخلافة، فإذا بايع قطر ما من هذه الأقطار الإسلامية خليفة، وانعقدت الخلافة له، فإنه يصبح فرضاً على المسلمين في الأقطار الأخرى أن يبايعوه ببيعة طاعة، أي ببيعة انقياد، بعد أن انعقدت الخلافة له ببيعة أهل قطره، على شرط أن تتوفر في هذا القطر أربعة أمور:
أحدها: أن يكون سلطان ذلك القطر سلطاناً ذاتياً، يستند إلى المسلمين وحدهم، لا إلى دولة كافرة، أو نفوذ كافر.
ثانيها: أن يكون أمان المسلمين في ذلك القطر بأمان الإسلام، لا بأمان الكفر، أي أن تكون حمايته من الداخل والخارج حماية إسلام، من قوة المسلمين، باعتبارها قوة إسلامية بحتة.
ثالثها: أن يبدأ حلاًً مباشرة تطبيق الإسلام كاملاً تطبيقاً انقلابياً شاملاً، وأن يكون متلبساً بحمل الدعوة الإسلامية.
رابعها: أن يكون الخليفة المبايع مستكملاً شروط انعقاد الخلافة، وإن لم يكن مستوفياً شروطاً إضافية؛ لأن العبرة بشروط الانعقاد.
فإذا استوفى ذلك القطر هذه الأمور الأربعة، فقد وجدت الخلافة بمبايعة ذلك القطر وحده، وانعقدت به وحده، وأصبح الخليفة الذي بايعوه انعقاداً على الوجه الصحيح هو الخليفة الشرعي، ولا تصح بيعه لسواه.
فأي قطر آخر يبايع خليفة آخر بعد ذلك، تكون بيعته باطلة ولا تصح؛ لقول رسول الله ﷺ: «إِذَا بُيِعَ خَلِيفَتَيْنِ فَأَقْتَلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا»، ولقوله ﷺ: «... فَوَ بَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ»، ولقوله ﷺ: «وَمَنْ بَاعَ إِمَاماً فَأَعْطَاهُ صَفْقَةً يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ إِنْ اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرَ يُنَازَعُهُ فَأَصْرَبُوا عَنْقَ الآخِرِ».
كيفية البيع
لقد سبق أن بيننا أدلة البيعه وأنها الطريقة في الإسلام لتنصيب الخليفة. وأما كيف تكون، فإنها تكون مصافحة بالأيدي، وقد تكون بالكتابة. فقد حدثت عبد الله بن دينار قال: شهدت ابن عمر، حيث اجتمع الناس على عبد الملك، قال: «كتب أي أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على كتاب الله وسنة رسوله ما استطعت». ويصح أن تكون البيعه بأية وسيلة من الوسائل.
إلا أنه يشترط في البيعه أن تصدر من البالغ، فلا تصح البيعه من الصغار. فقد حدث أبو عقيل زهرة بن معبد عن جده عبد الله بن هشام، وكان قد أدرك النبي ﷺ، وذهبت به أمه زينب بنت حميد إلى رسول الله ﷺ.
فقالت: يا رسول الله بايعه، فقال النبي ﷺ: «هُوَ صَغِيرٌ، فَسَحَّ رَأْسُهُ وَدَعَا لَهُ» رواه البخاري.
أما ألفاظ البيعه فأما غير مقيدة بالألفاظ معينة. ولكن لا بد من أن تشتمل على العمل بكتاب الله وسنة رسوله بالنسبة للخليفة، وعلى الطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكروه بالنسبة للذي يُعطى البيعه. ويصدر قانون بتحديد هذه الصيغة وفق المعطيات السابقة.
ومتى أعطى المباع البيعه للخليفة، فقد أصبحت البيعه أمانة في عنق المباع، لا يُحلّ له الرجوع عنها، فهي حق باعتبار انعقاد الخلافة حتى يعطيها، فإن أعطها أنزَم بها. ولو أراد أن يرجع عن ذلك لا يجوز. ففي البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن أعرابياً بايع رسول الله ﷺ على الإسلام، فأصابه وعك فقال: «أَقُلْنِي بُيْعَتِي» فأبى، ثم جاء فقال: «أَقُلْنِي بُيْعَتِي» فأبى، فخرج. فقال رسول الله ﷺ: «إِنَّآ الْمَدِينَةَ كَالْكِبْرِ تَنْفِي حَبْثَهَا وَيَنْصَعُ طَبِيبُهَا» . وعن نافع قال: قال لي عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، لَقِيَّ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ» رواه مسلم. ونقض بيعه الخليفة خَلَعَ لليد من طاعة الله. غير أن هذا إذا كانت بيعته للخليفة بيعه انعقاد، أو بيعه طاعة للخليفة صَحَّت بيعه الانعقاد له. أما لو بايع خليفة ابتداءً، ثم لم تتمَّ البيعه له، فإن له أن يتحلل من تلك البيعه، على اعتبار أن بيعه الانعقاد لم تتم له من المسلمين. فالنهى في الحديث مُنَصَّب على الرجوع عن بيعه خليفة، لا عن بيعه رجل لم تتمَّ له الخلافة.