المادة 6
لا يجوز للدولة أن يكون لديها أي تمييز بين أفراد الرعاية في ناحية الحكم أو القضاء أو رعاية الشؤون أو ما شاكل ذلك، بل يجب أن تنظر للجميع نظرة واحدة بغض النظر عن العنصر أو الدين أو اللون أو غير ذلك.
هاتان المادةتان وضعتا لبيان أحكام من يحملون التابعة الإسلامية، سواء أكانوا مسلمين أم كانوا من أهل الذمة. أما المسلمون فإن الرسول ﷺ قد جعل المسلمين الذين يعيشون خارج الدولة ولا يكونون من رعاياها محرومين مما يتمتع به رعايا الدولة. فعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْ صَافَّةٍ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقَوَى اللهِ وَمَنْ مَعُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: اغْرُؤا بِاسْمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَإِذَا لَقَيْتُكُمْ مِنْ كُفْرٍ بِاللَّهِ، اغْرُؤا وَلَا تَغُلُوا وَلَا تَعْتَلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِدًا، وَإِذَا لَقَيْتُكُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خَلَالٍ، فَإِذَا تَيَّنَّتْ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الدَّارِ الْمَهَاجِرِينَ، وَأَخْرِجْهُمْ أَنْهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنَّ أَبَوًا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأُخْرِئَهُمْ أَنْهُمْ يَكُونُونَ كَأَغْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يُجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يُجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ هُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفِيءِ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يُكَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ» رواه مسلم. فهذا الحديث صريح بأن من لا يتحول إلى دار الإسلام ويحمل تابعة الدولة فإنه لا يملك حقوق الرعية حتى لو كان مسلماً. فقد داعم الرسول ﷺ لأن يدخلوا تحت سلطان الإسلام حتى يكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، إذ يقول: «ثُمَّ اذْعُهِمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأُخْرِئَهُمْ أَنْهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ» فهذا نص يشترط التحول ليكون لهم ما لنا وعليهم ما علينا، أي لتشملهم الأحكام. ومفهوم الحديث أضم إن لم يتحولوا لا يكون لهم ما للمهاجرين، أي ما لمن هم من دار الإسلام، فإن هذا الحديث قد بين اختلاف الأحكام بين من يتحول إلى دار المهاجرين وبين من لا يتحول إلى دار المهاجرين، ودار المهاجرين كانت هي دار الإسلام، وما عداها كان دار كفر. وإقامة الشخص في دار الإسلام أو في دار الكفر هي ما يعبر عنه بالتابعة. فتابعة الشخص معناها الدار التي رضيها مقاماً له، هل هي دار كفر أم دار إسلام. فإن كانت دار إسلام انطبق عليها أحكام دار الإسلام، فيكون الشخص حاملاً للتابعة الإسلامية، وإن كانت الدار دار كفر انطبقت عليها أحكام دار الكفر؛ فلا يعتبر الشخص حاملاً للتابعة الإسلامية، وتطبق عليه أحكام دار الكفر؛ ولهذا لا تشمل الأحكام المسلم الذي في دار الحرب، فلا يعطى حق الرعية؛ لأنه لا يحمل تابعة الدولة الإسلامية. وتشمل الأحكام الدمى الذي في دار الإسلام فيعطى حق الرعية ويحمل تابعيتها. والدمى هو كل من يتدين بغير الإسلام وصار من رعية الدولة الإسلامية وهو باق على تدينه بغير الإسلام. والدمى مأخوذ من الذمة وهي العهد، فلهم في ذمتنا عهد أن نعاملهم حسب ما صالحناهم عليه، وأن نسير في معاملتهم ورعاية شؤونهم حسب أحكام الإسلام. وقد جاء الإسلام بأحكام كثيرة لأهل الذمة ضمن لهم فيها حقوق الرعاية وواجباتها. وأن أهل الذمة لهم ما لنا من الإنصاف، وعليهم ما علينا من الانتصاف. أما أن لهم ما لنا من الإنصاف فذلك آت من عموم قوله تعالى: ﴿ وَأِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾ [النساء ٥٨] وقوله جل شأنه: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنعَانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا أَعْدَلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ [المائدة ٨] وقوله عن الحكم بين أهل الكتاب: ﴿ وَانْ حَكَمْتَ فَحَكَمَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ﴾ [المائدة ٤٢]. وأما أن عليهم ما علينا من الانتصاف فذلك آت من أن النبي ﷺ كان يوقع العقوبة على الكفار كما يوقعها على المسلمين، فقد قتل الرسول ﷺ يهودياً عقوبة على قتله امرأة، كما في رواية البخاري عن أنس بن مالك قال: «خَرَجْتُ جَارِيَةً عَلَيْهَا أَوْضَاحٌ بِالمَدِينَةِ قَالَ فَرَمَاهَا يَهُودِيٌّ بِحَجَرٍ قَالَ فَجِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبَهَا رَمَقَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَانٌ قَتَلَكَ فَرَفَعْتُ رَأْسَهَا فَأَعَادَ عَلَيْهَا قَالَ فَلَانٌ قَتَلَكَ فَلَانٌ قَتَلَكَ فَلَانٌ قَتَلَكَ فَخَفَضْتُ رَأْسَهَا فَدَعَا بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَتَلَهُ بَيْنَ الْحُجْرَيْنِ»، وأتي له عليه الصلاة والسلام برجل وامرأة يهوديين قد زنيا فجمهما، روى البخاري عن ابن عمر قال: «أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَهُودِيٍّ وَبَيَهُودِيَّةٍ قَدْ أَخَذْنَا جَمِيعًا فَقَالَ لَهُمْ مَا تَجِدُونَ فِي كِتَابِكُمْ قَالَوا إِنَّ أَحْبَارَنَا أَحَدُثُوا تَحْمِيَةَ الْوُجْهِ وَالْتَجَبِيَةَ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ اذْعُهِمْ يَا رَسُولَ اللهِ بِالتَّوْرَاةِ فَإِنَّي بِهَا فُوضِعَ أَحَدُهُمْ يَدُهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ وَجَعَلَ يَقْرَأُ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فَقَالَ لَهُ ابْنُ سَلَامٍ اَرْفَعْ يَدَكَ فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ تَحْتَ يَدِهِ فَأَمَرَ بِمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرَجَعَ». ولأهل الذمة علينا من الحماية ما للمسلمين، لقول رسول الله ﷺ: «أَلَا مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهِدًا لَهُ ذَمَّةً اللهِ وَذَمَّةَ رَسُولِهِ فَقَدْ أَخَفَرَ بِذَمَّةِ»
اللَّهَ، فَلَا يُرْخِ رَائِحَةَ الْجُنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ حَرْبًا»، رواه الترمذي وقال حسن صحيح. وقد رواه البخاري بلفظ «مَنْ قَتَلَ مُعَاهِدًا لَمْ يُرْخِ رَائِحَةَ الْجُنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوْجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» ولأهل الذمة من رعاية شؤوْمِهم، وضمانة معاشهم ما للمسلمين، عن أبي وائل عن أبي موسى أو أحدهما بإسناده أن رسول الله ﷺ قال: «أَطْعَمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ، وَفُكُّوا الْعَانِيَ» رواه البخاري من طريق أبي موسى. قال أبو عبيد: "وكذلك أهل الذمة يجاهد من دُوْهم، ويفتك عنائهم، فإذا استنقدوا رجعوا إلى ذمتهم وعهدهم أحراراً، وفي ذلك أحاديث" وعن ابن عباس قال: صالح رسول الله ﷺ أهل نجران، ومما جاء في الحديث: كما أخرجه أبو داود في سننه: "عَلَى أَنْ لَا تُهَدِمَ هُمْ بِيَعَّةٍ، وَلَا يُخْرِجَ هُمْ قَسًّا، وَلَا يُفْتَنُوا عَنْ دِينِهِمْ مَا لَمْ يُخْدِنُوا حَدَّثَنَا أَوْ يَأْكُلُوا الرِّبَا". وكان ﷺ يعود مرضاهم روى البخاري عن أنس قال: «كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدَمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَمَرَضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُوْدُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمُ، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطْعَ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ، فَاسْلَمْ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ» مما يدل على جواز زيارةهم ومجاملتهم وإدخال الأنس عليهم. وأخرج البخاري عن عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب أنه كان في وصيته عند موته: "وأوصي الخليفة من بعدي بكذا وكذا، وأوصيه بذمة الله وذمة رسول الله ﷺ أن يوفق لهم بعهدهم، وأن يقاتل من وراءهم، وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم". ويترك الذميين وما يعتقدون وما يعبدون لقول رسول الله ﷺ فيما أخرجه أبو عبيد في الأموال من طريق عروة قال: كتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن أنه: «مَنْ كَانَ عَلَى يَهُودِيَّتِهِ أَوْ نَصْرَانِيَّتِهِ فَإِنَّهُ لَا يُفْتَنُ عَنْهَا، وَعَلَيْهِ الْجَزِيَّةُ». ولا يؤخذ من الذميين ضرائب "جمارك" كما لا يؤخذ من المسلمين. وأخرج أبو عبيد في الأموال عن عبد الرحمن بن معقل قال: سألت زياد بن حدير من كنتم تعشرون؟ قال: "ما كنا نعشر مسلماً ولا معاهداً. قلت: فمن كنتم تعشرون؟ قال: تجار الحرب كما كانوا يعشروننا إذا أتيناهم"، والعاشر هو الذي يأخذ ضريبة الجمارك. وهكذا يكون الذميون رعية الدولة الإسلامية كسائر الرعية لهم حق الرعوية، وحق الحماية، وحق ضمان العيش، وحق المعاملة بالحسنى، وحق الرفق واللين، وهم أن يشتركوا في جيش المسلمين ويقاتلوا معهم ولكن ليس عليهم واجب القتال، ولا واجب المال سوى الجزية فلا تفرض عليهم الضرائب التي تفرض على المسلمين، وينظر إليهم أمام الحاكم والقاضي وعند رعاية الشؤون وحين تطبيق المعاملات والعقوبات كما ينظر للمسلمين دون أي تمييز، فيتمتع الذمي بما له من حقوق تماماً كالمسلم سواء بسواء، ويلتزم بالواجبات التي عليه من الوفاء بعهد الذمة والطاعة لأوامر الدولة.
وهكذا فإن العبرة في الرعاية هي بتابعة الدولة، سواء أكان مسلماً أم من أهل الذمة، فلا يجوز أن يحصل أي تمييز في الرعاية؛ وذلك لعموم أدلة الحكم والقضاء ورعاية الشؤون فالله يقول: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾ [النساء ٥٨]. فهو عام لكل الناس مسلمين وغير مسلمين، والرسول ﷺ يقول: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» أخرجه البيهقي بسند صحيح. وهو عام يشمل المسلم وغير المسلم. وعن عبد الله بن الزبير قال: «فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّ الْحُصْمَيْنِ يَفْعُدَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْحُكْمِ» أخرجه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم. وهو عام يشمل كل خصمين مسلمين أو غير مسلمين، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «الإِمَامُ رَاعٌ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» متفق عليه. وكلمة رعيته عام يشمل جميع المسلمين وغير مسلمين. وهكذا جميع الأدلة العامة مما يتعلق بالرعية تدل على أنه لا يجوز أن يحصل أي تمييز بين المسلم وغير المسلم، ولا بين العربي وغير العربي، ولا بين الأبيض والأسود، بل جميع الناس الذين يحملون التابعة الإسلامية سواء من غير أي تمييز بينهم أمام الحاكم من حيث استحقاق رعاية شؤونهم وحفظ دماءهم وأعراضهم وأموالهم، وأمام القاضي من حيث التسوية والعدل.