المادة 63
الجيش قسمان: قسم احتياطي، وهم جميع القادرين على حمل السلاح من المسلمين. وقسم دائم في الجندية، تخصص لهم رواتب في ميزانية الدولة كالموظفين.
دليلها هو دليل فرضية الجهاد، فإن كل مسلم فرض عليه الجهاد وفرض عليه أن يتدرب له؛ ولذلك يكون جميع المسلمين جيشاً احتياطياً لأن الجهاد فرض عليهم. وأما جعل قسم منهم دائماً في الجندية فإن دليله هو قاعدة: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) لأنه لا يتم، في هذه الأيام وفق الواقع القتالي، القيام بفرض الجهاد دائماً، وحماية بنية الإسلام وذمار المسلمين من الكفار، إلا بوجود جيش دائم؛ ومن هنا كان فرضاً على الإمام أن يوجد جيشاً دائماً.
وأما أن تخصص هؤلاء الجنود رواتب كالموظفين، فهو بالنسبة لغير المسلمين منهم أمر ظاهر؛ لأن الكافر في الدولة الإسلامية لا يطالب بالقتال مع المسلمين ضد الكفار، ولكن إن قام به يقبل منه وحينئذ يجوز أن يعطى مالاً، لما روى الزهري: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَسْهِمَ لِقَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ قَاتَلُوا مَعَهُ» أخرجه الترمذي وهو من مراسيل الزهري، واحتج به ابن قدامه في المغني. وما روي «أَنَّ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ، فَاسْتَهَمَ لَهُ، وَأَعْطَاهُ مِنْ الْفَتَائِمِ مَعَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ» ذكره ابن قدامه في المغني، وابن هشام في السيرة.
وقد أخرج البخاري من طريق أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
«يَا بَلَالَ قُمْ فَأَذِّنْ لَا يَدْخُلِ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ». وذكر ابن اسحق في السيرة أن قُزَمَانَ حَرَجَ مَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَقَتَلَ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ، حَتَّى قَالَ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ»، وقد ذكره الشوكاني في الدراري المضيئة ونيل الأوطار، وقال ثبت ذلك عند أهل السير.
فهذه الأدلة تدل على جواز أن يكون الكافر مع الجيش الإسلامي، وأن يعطى له مال لوجوده في الجيش. وأيضاً فإن تعريف الإجارة بأنها عقد على المنفعة بعوض يدل على أن الإجارة جائزة على كل منفعة يمكن للمستأجر استيفائها من الأجير، فيدخل فيها استئجار الشخص للجندية، وللقتال، أيضاً منفعة. فيكون عموم دليل الإجارة على أي منفعة من المنافع دليلاً على جواز استئجار الكافر للجندية وللقتال، ولكن تحت راية المسلمين وليس تحت راية الكفر، كما يبين ذلك واقع الأدلة المذكورة، فالكفار الذين قاتلوا مع المسلمين قاتلوا معهم تحت راية المسلمين وليس تحت راية الكفر، أي قاتلوا وهم جنود في جيش المسلمين؛ وعليه فإنه يجوز لأهل الذمة أن يقاتلوا في جيش المسلمين بأجرة، وذلك إذا رأى الخليفة أن قاتلهم وهم جنود في جيش المسلمين فيه نفع للمسلمين وليس فيه ضرر، وعندئذ يجوز أن يقبلوا في جيش المسلمين ويعطى لهم أجر، أي يباح لهم ذلك. ولكن إذا كان في دخولهم الجيش الإسلامي ضرر، فإن هذا الفرد من أفراد المباح يمنع للضرر وفق قاعدة الضرر بشقيها المذكورين في الأصول.
هذا بالنسبة لغير المسلم، وأما بالنسبة للمسلم؛ فلأنه وإن كان الجهاد عبادة، فإنه يجوز استئجار المسلم للجندية والقتال؛ لدليل الإجارة العام، ولأن الإجارة على القيام بالعبادة إن كانت مما يتعدى نفعه فاعله فهي جائزة، لقوله ﷺ: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» أخرجه البخاري من طريق ابن عباس، وتعليم كتاب الله عبادة، فكما يجوز استئجار المسلم لتعليم القرآن، وللإمامة، والأذان، وهي عبادات، كذلك يجوز استئجاره للجهاد، وللجندية. على أن جواز استئجار المسلمين للجهاد، حتى لمن يتعين عليه، قد ورد دليله في الحديث صريحة، فقد روى أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: «لِلغَازِي أَجْرُهُ وَلِلْجَاعِلِ أَجْرُهُ وَأَجْرُ الْغَازِي» والغازي هو الذي يغزو بنفسه، والجاعل هو الذي يغزو عنه غيره بأجر، قال في القاموس المحيط: "والجِعالَة مثلثة وكِتَاب وقُفْل وسَفِينَة، ما جعله له على عمله، وتجاعلوا الشيء جعلوه بينهم، وكسحابة الرشوة، وما يُجعل للغازي إذا غزا عنك يُجعل" فالحديث يبيّن جواز أن يدفع الرجل (أجرة) لآخر ليجزو عنه، أي أن يُستأجر الرجل للغزو. وروى البيهقي عن جُمَيْر بن نُفَيْر قال: قال رسول الله ﷺ: «مَثَلُ الَّذِينَ يَغْرُزُونَ مِنْ أُمَّتِي، وَيَأْخُذُونَ الْجَعَلَ، وَيَتَقَوُّنَ عَلَى عُدُوِّهِمْ، مَثَلُ أُمَّ مُوسَى، تُرْضِعُ وَلَدَهَا، وَتَأْخُذُ أَجْرَهَا» وكذلك أخرجه سعيد بن منصور، والأجر هنا معناه الأجرة. ومن هنا يُجعل للجنود رواتب كالموظفين.