المادة 64
تجعل للجيش ألوية ورايات، والخليفة هو الذي يعقد اللواء لمن يوليهِ على الجيش، أما الرايات فيقدمها رؤساء الألوية.
١ - اللواء، والراية، من حيث اللغة، فإنه يطلق على كلّ منهما (العلم). جاء في القاموس المحيط في مادة (رَوِيّ): (... والراية العلم ج رايات ...). وفي مادة (لَوِيّ): (... واللواء بالمد العلم ج ألوية...).
ثم إن الشرع أعطى كلّ منهما، من حيث الاستعمال، معنى شرعياً على النحو التالي:
اللواء أبيض \*، ومكتوب عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله بخط أسود، وهو يُعقد لأَمرِ الجيْش أو قائد الجيْش. ويكون علامةً على محله، ويدور مع هذا الحلّ حيث دار. ودليل عقد اللواء لأَمرِ الجيْش «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَلَوَّائُهُ أَبْيَضٌ» رواه ابن ماجة من طريق جابر، والرسول ﷺ كان يوم الفتح هو أمير الجيْش. وكذلك فقد كان رسول الله ﷺ يعقد الألوية لأَمرِاء الجيْوش الذين كان يرسلهم، فقد جاء في "عيون الاثر في فنون المغازي والشمائل والسير"، للإمام الحافظ أبي الفتح المعروف بابن سيد الناس المتوفى سنة ٧٣٤ هـ، جاء فيه: "... يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة من مهاجره، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالتهيؤ لغزو الروم، فلما كان من الغد دعا أسامة بن زيد فقال سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش... فلما كان يوم الاربعاء بدئ برسال الله صلى الله عليه وسلم وجعه... فلما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواء بيده، ثم قال اغز بسم الله وفي سبيل الله فقاتل من كفر بالله فخرج بلوائه معقوداً..."
\* والراية سوداء، ومكتوب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله بخط أبيض، وهي تكون مع قواد فرق الجيش (الكتائب، السرايا، وحادات الجيش الأخرى) والدليل أن الرسول ﷺ، وقد كان قائد الجيش في خيبر، قال: «لَا عُطْيَانَ الرَّايَةِ، أَوْ لِيَأْخُذَنَّ الرَّايَةَ، عَدَّاءً رِّجَالاً يُجِبُهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، أَوْ قَالَ يُجِبُ اللهُ وَرَسُولُهُ، يَفْتَحُ اللهُ عَلَيْهِ، فَإِذَا خُمَ بَعْلِي وَمَا نَزَجُوهُ، فَقَالُوا: هَذَا عَلِيٌّ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّايَةَ، فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ» متفق عليه من طريق سلمة بن الأكوع رضي الله عنه. فعلي، كرم الله وجهه، يعتبر حينها قائد فرقة أو كتيبة في الجيش. وكذلك في حديث الحارث بن حسان البكري قال: «قدمنا المدينة فإذا رسول الله ﷺ على المنبر، وبلال قائم بين يديه، متقلد السيف بين يدي الرسول ﷺ، وإذا رايات سود، فسألْتُ: ما هذه الرايات؟ فقالوا: عمرو بن العاص قدم من غزاة» أخرجها أحمد في المسند وغيره، وفي رواية الترمذي عن الحارث بن حسان البكري قال: قدمت المدينة فدخلت المسجد فإذا هو غاص بالناس وإذا رايات سود تخفق وإذا باللال متقلد السيف بين يدي رسول الله ﷺ قلت ما شأن الناس؟ قالوا يريد أن يعث عمرو بن العاص وجهاً. فمعنى «فإذا رايات سود» أي أنها كانت رايات كثيرة مع الجيش، في حين أن أميره كان واحداً وهو عمرو بن العاص، فهذا يعني أنها كانت مع رؤساء الكتائب والوحدات...
ولذلك فاللواء يُعقد لأمير الجيش، والرايات مع باقي الجيش، فرقته وكتائبه ووحداته. وهكذا فإن اللواء واحد في الجيش الواحد، وأما الرايات فكثيرة في كل جيش.
ويكون بذلك، اللواء علماً على أمير الجيش لا غير. وتكون الرايات أعلاماً مع الجند.
٢ - اللواء يعقد لأمير الجيش، وهو علم على مقَرّه، أي يلازم مقر أمير الجيش. أما في المعركة، فإن قائد المعركة، سواء أكان أمير الجيش أم قائداً غيره يعينه أمير الجيش، فإنه يُعطي الرؤية يحملها أثناء القتال في الميدان، ولذلك تسمى (أم الحرب) لأنها تحمل مع قائد المعركة في الميدان.
ولذلك فإنه في حالة الحرب القائمة تكون راية واحدة مع كل قائد معركة، وهذا كان أمراً متعارفاً عليه في ذلك الزمن، وكان بقاء الرؤية مرفوعةً دليلاً على قوة بأس قائد المعركة. وهو تنظيم إداري يُلتزم حسب أعرف قتال الجيوش.
قال رسول الله ﷺ ينعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتي الجند بالخبَر: «أَخَذَ الرَّأْيَةَ زَيْدٌ فَأَصَيْبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرُ فَأَصَيْبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأَصَيْبَ» أخرجه البخاري.
وكذلك فإنه في حالة الحرب القائمة، إذا كان قائد الجيش في الميدان هو الخليفة نفسه، فإن اللواء يجوز أن يكون مرفوعاً في المعركة، وليس الرؤية فحسب. فقد ورد في سيرة ابن هشام عند الحديث عن غزوة بدر الكبرى أن اللواء والرؤية كانتا موجودتين في المعركة. فقد ورد في السيرة "قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَدَفَعَ اللَّوَاءُ إِلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ أَبْيَضُ ... وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَائَتَانِ سَوْدَاوَانِ: عَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، يُقَالُ لَهُ الْعَقَابُ، وَالْأُخْرَى مَعَ بَعْضِ الْأَنْصَارِ".
أما في السَّيْلَم، أو بعد انتهاء المعركة، فإن الرّايات تكون منتشرةً في الجيش ترفعها فرق الجيش وكتائبه وسراياه ووحداته ... كما جاء في حديث الحارث بن حسان البكري عن جيش عمرو بن العاص.
وأول لواء عقد في الإسلام لواء عبد الله بن جحش، وعقد لسعد بن مالك الأزدي راية سوداء فيها هلال أبيض. فهذا كله يدل على أنه لا بد أن تكون للجيش ألوية ورايات، وأن الخليفة هو الذي يعقد اللواء لمن يوليّه على الجيش. أما الرايات فيجوز أن يقدمها الخليفة ويجوز أن يقدمها أمراء الألوية. أما جواز أن يقدمها الخليفة فلحديث سلمة المار أن النبي ﷺ قال: «لَاُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدَاً رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ...» وأما جواز أن يقدمها أمراء الألوية فإنّه من حديث الحارث بن حسان البكري المار في روايته "وإذا رايَتُ سود" معناها أيضاً كانت كثيرة مع الجيش في حين أن أميره كان واحداً، وهو عمرو بن العاص، سواء أكان راجعاً من الغزاة أم سائراً إليها، فهذا يعني أيضاً مع رؤساء الكتائب، ولم يوجد ما يدل أن الرسول ﷺ هو الذي قلدهم إيها. على أنه يجوز للخليفة أن يجعل لأمراء الألوية أن يعطوا الرايات لرؤساء الكتائب، وهو الأقرب إلى التنظيم، وإن كان كله جائزاً أي مباحاً.