المادة 75
القضاء هو الإخبار بالحكم على سبيل الإلزام، وهو يفصل الخصومات بين الناس، أو يمنع ما يضر حق الجماعة، أو يرفع النزاع الواقع بين الناس وأي شخص ممن هو في جهاز الحكم، حكماً أو موظفين، خليفة أو منّ دونه.
الأصل في القضاء ومشروعيته الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ أَحَكْمَ بَيْنَكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة ٤٩] وقوله: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَكُمْ﴾ [النور ٤٨] وأما السنة فإن الرسول ﷺ تولى القضاء بنفسه وقضى بين الناس، ومن ذلك ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان عثمة بن أبي قاصٍ وقاص عهده إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابْنُ وَلِيدَةَ زُمْعَةَ مِثْلٍ فَاقْبَضَهُ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَاصٍ وَقَالَ: ابْنُ أَخِي قَدْ عَهَدَ إِلَيَّ فِيهِ، فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زُمْعَةَ فَقَالَ: أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةَ أَبِي وَلَدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَتَسَاوَقًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ سَعْدُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ أَخِي كَانَ قَدْ عَهَدَ إِلَيَّ فِيهِ، فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زُمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةَ أَبِي وَلَدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنُ زُمْعَةَ»، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحُجْرِ». وقد قلد رسول الله ﷺ القضاء فقلد علياً رضي الله عنه قضاء اليمن ووصاه تنبيهاً على وجه القضاء فقال له: «إِذَا تَقَاضَى إِلَيْكَ رَجُلَانِ، فَلَا تَقُضِ لِلأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الْآخِرِ، فَسُؤْفَ تَدْرِي كَيْفَ تَقُضِي» رواه الترمذي، وأحمد، وفي رواية لأحمد بلفظ «إِذَا جَلَسَ إِلَيْكَ الْحُصْمَانِ، فَلَا تَكُلْمَ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الْآخِرِ كَمَا سَمِعْتَ مِنَ الْأَوَّلِ». فهذا دليل مشروعية القضاء، ويتبين من حديث عائشة عن الكيفية التي حصل عليها قضاء الرسول ﷺ أن سعداً وعبد بن زمعة اختلفا في ابن وليدة زمعة، فادعى أحدهما أنه ابن أخيه، وادعى الآخر أنه أخوه، وأن الرسول ﷺ أخبرهما عن الحكم الشرعي أن ابن وليدة زمعة أخ لعبد بن زمعة، وأن الولد للفراش، فيكون قضاءؤه ﷺ إخباراً بالحكم الشرعي، وقد أزلهما بهذا الحكم، فأخذ عبد بن زمعة الولد. وهذا دليل المادة الخامسة والسبعين، فيأخذه تعرف القضاء، وهذا التعريف وصف واقع ولكن بما أنه واقع شرعي، والتعريف الشرعي حكم شرعي، فلا بد له من دليل يستنبط منه، وهذا الحديث دليل تعريف القضاء الموجود في هذه المادة. وقد قال بعضهم في تعريف القضاء بأنه الفصل للخصومات بين الناس، وهذا التعريف قاصر من جهة، وهو ليس وصفاً لواقع القضاء كما ورد في فعل الرسول ﷺ وقوله من جهة أخرى، وإنما هو بيان لما يمكن أن ينتج عن القضاء وقد لا ينتج عنه، فقد يفصل القاضي في القضية ولا يفصل الخصومة بين المتقاضين، ولذلك كان التعريف الجامع المانع هو ما ورد في المادة وهو المستنبط من الأحاديث.
ثم إن هذا التعريف يشمل القضاء بين الناس وهو ما ورد في حديث عائشة. ويشمل الحسبة وهي: (الإخبار بالحكم الشرعي على سبيل الإلزام فيما يضر حق الجماعة)، وهو ما ورد في حديث صبرة الطعام. ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَتَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَالاً، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ قَالَ: أَصَابَنِي السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيِّ بِرَاءِ النَّاسِ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» وفي رواية أحمد وابن ماجة والدارمي: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا». ويشمل النظر في قضايا المظالم لأخصها من القضاء وليست من الحكم إذ هي شكوى على الحاكم، وهي أي المظالم: (الإخبار بالحكم الشرعي على سبيل الإلزام فيما يقع بين الناس وبين الخليفة أو أحد معاونيه أو ولاته أو موظفيه، وفيما يقع بين المسلمين من اختلاف في معنى نص من نصوص الشرع التي يراد القضاء بحسبها والحكم بموجبها). والمظالم وردت في حديث الرسول ﷺ في التسعير إذ قال: «وَأَيِّ لَازَجُو أَنْ أَلْقَى الله وَلَا يَطْلُبْنِي أَحَدٌ مَّظْلُومًا ظَلَمَتْهَا إِياهُ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ» رواه أحمد من طريق أنس بن مالك، وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَخَذَ لَهُ مَالاً فَهَذَا مَالِي فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ، وَمَنْ جَلَدَ لَهُ ظَهْرًا ظَهَرِي فَلْيَقْتُصْ مِنْهُ» أخرجه أبو يعلى عن الفضل بن عباس. قال الهيثمي وفي إسناد أبي يعلى عطاء بن مسلم وثقه ابن حبان وغيره وضعفه آخرون وبقية رجاله ثقات. مما يدل على أنه يرفع أمر الحاكم أو الوالي أو الموظف إلى قاضي المظالم فيما يدعيه أحد مظلماً، وقاضي المظالم يخبر بالحكم الشرعي على سبيل الإلزام، وعليه يكون التعريف شاملاً للأنواع الثلاثة من القضاء الواردة في أحاديث الرسول ﷺ وفعله، وهي فصل الخصومات بين الناس، ومنع ما يضر حق الجماعة، ورفع النزاع الواقع بين الرعية والحكام أو بين الرعية والموظفين في أعمالهم.