المادة 189

علاقة الدولة بغيرها من الدول القائمة في العالم تقوم على اعتبارات أربعة:

أحدها: الدول القائمة في العالم الإسلامي تعتبر كأنها قائمة في بلاد واحدة، فلا تدخل ضمن العلاقات الخارجية، ولا تعتبر العلاقات معها من السياسة الخارجية، ويجب أن يعمل لتوحيد كلها في دولة واحدة.

ثانيها: الدول التي بيننا وبينها معاهدات اقتصادية، أو معاهدات تجارية، أو معاهدات حسن جوار، أو معاهدات ثقافية، تعامل وفق ما تنص عليه المعاهدات. ولرعاياها الحق في دخول البلاد بالهوية دون حاجة إلى جواز سفر إذا كانت المعاهدة تنص على ذلك، على شرط المعاملة بالمثل فعلاً. وتكون العلاقات الاقتصادية والتجارية معها محدودة بأشياء معينة، وصفات معينة على أن تكون ضرورية، ومما لا يؤدي إلى تقويتها.

ثالثها: الدول التي ليس بينها وبينها معاهدات، والدول الاستعمارية فعلاً كأنكلترا وأmericا وفرنسا والدول التي تطمع في بلادنا كروسيا، تعتبر دولاً محاربة حكماً، فتتخذ جميع الاحتياطات بالنسبة لها، ولا يصح أن تنشأ معها أية علاقات دبلوماسيةية. ولرعايا هذه الدول أن يدخلوا بلادنا، ولكن بحواز سفر وبتأشيرة خاصة لكل فرد ولكل سفرة، إلا إذا أصبحت محاربة فعلاً.

رابعها: الدول المحاربة فعلاً (كإسرائيل) مثلاً يجب أن نتخذ معها حالة الحرب أساساً لكافة التصرفات. وتعامل كأننا وإياها في حرب فعلية، سواء أكانت بينها وبينها هدنة أم لا. ويمنع جميع رعاياها من دخول البلاد.

إن هذه المادة مأخوذة من أحكام دار الإسلام ودار الكفر ومن أحكام المعاهد والمستأمن:

فالبند الأول متعلق بالبلاد الإسلامية التي كانت تحكم بالإسلام كالهند مثلاً، أو كانت أكثريتها مسلمين كلبان مثلاً. فالبلاد الإسلامية منذ هدم الخلافة سنة ١٣٤٢هـ وحتى إقامتها من جديد بإذن الله، كلها دار كفر؛ لأن منها ما يحكم بغير الإسلام وأمانه الخارجي بغير أمان الإسلام، ومنها ما أمانه بأمان المسلمين ولكنه يحكم بغير الإسلام، وكلها تعتبر دار كفر؛ وبما أن بلاد المسلمين اليوم كانت دار إسلام فلا بد من العمل لإعادتها لأن تصبح دار إسلام، ولكنها ما دامت تحكم بغير الإسلام أو أماخا بغير أمان الإسلام فإنها دار كفر، ولا تعني دار الكفر أن كل أهلها كفار، ولا تعني دار الإسلام أن كل أهلها مسلمون، بل إن معنى الدار هنا هو اصلاح شرعي "حقيقة شرعية" أي أن الشرع هو الذي أعطاهما هذا المعنى، تماماً كلفظ الصلاة والصيام وخوها من الحقائق الشرعية.

وعليه فإنه يطلق على بلد جل أهلها نصارى مثلاً ولكنها واقعة ضمن الدولة الإسلامية يطلق عليها دار إسلام؛ لأن الأحكام المطبقة أحكام الإسلام، وأمان البلد بأمان الإسلام، ما دامت ضمن الدولة الإسلامية.

وكذلك بالنسبة لبلد معظم أهلها مسلمون ولكنها تقع ضمن دولة لا تحكم بالإسلام ولا تحفظ أمنها بميش المسلمين بل بميش الكفار، فإنه يطلق على هذه البلد دار كفر مع أن معظم أهلها مسلمون. فمعنى الدار هنا هو حقيقة شرعية ولا اعتبار لكثرة المسلمين أو قلةهم عند إطلاق لفظ الدار، بل الاعتبار للأحكام المطبقة وللأمان المتحقق لأهلها. أي أن معنى الدار يؤخذ من النصوص الشرعية التي بينت هذا المعنى، تماماً كما يؤخذ معنى الصلاة من النصوص الشرعية التي بينت معناها. وهكذا كل الحقائق الشرعية يؤخذ معناها من النصوص الشرعية وليس من المعنى اللغوي للألفاظ.

ولدار الكفر أحكام تختلف كل الاختلاف عن أحكام دار الإسلام.

فلهما أي لدار الكفر أحكام خاصة بها:

فإن كان المسلم الذي يعيش في دار الكفر لا يستطيع إظهار شعائر دينه فيها، فعليه أن ينتقل إلى دار كفر أخرى يستطيع فيها إظهار شعائر دينه، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّيْنَاهُمُ الْمَلَكِيَّةُ ظَالِمِينَ أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيهِمْ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُحَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَا وَفَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَأَتُ مَصِيرًا ﴿٩٧﴾ ﴾ [النساء ٩٧].

هذا إن لم يكن هناك دار إسلام كما هو الحال اليوم. أما إن كان هناك دار إسلام، فإن أحكام الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام تكون على النحو التالي:

١ - من كان قادراً على الهجرة، ولم يستطع إظهار دينه في بلده، ولا القيام بأحكام الإسلام المطلوبة منه، فإن الهجرة إلى دار الإسلام فرض عليه، ويحرم عليه في هذه الحالة الاستيطان في دار الحرب أي دار الكفر، بل يجب عليه الهجرة إلى دار الإسلام، ودليل ذلك الآية السابقة ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّيْنَاهُمُ الْمَلَكِيَّةُ ظَالِمِينَ أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيهِمْ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُحَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَا وَفَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَأَتُ مَصِيرًا ﴿٩٧﴾ ﴾ [النساء ٩٧] فهي تصلح للاستدلال هنا كذلك. وأيضاً يدل على ذلك ما رواه الترمذي من طريق جريب أن رسول الله ﷺ قال: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهَرِ الْمُشْرِكِينَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَمْ؟ قَالَ: لَا تَرَآنِي نَارَهُمْ». وفي رواية أبي داود «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ؟ قَالَ: لَا تَرَآنِي نَارَهُمْ». وروى نحوه النسائي، ومعنى لا تراءى نارهم أي لا يكون موضع يرى نارهم ويرون ناره إذا أوقدت... كناية عن عدم العيش في دارهم.

وأما ما روى البخاري من قوله عليه الصلاة والسلام: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ فِشْعِ مَكَّةَ» وقوله: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» وقوله: «قَدْ انْقَطَعَتْ الْهِجْرَةُ وَلَكِنَّ جِهَادَ وَنِيَّةً» وما روي أن صفوان بن أمية لما أسلم قيل له: لا دين لمن لم يهاجر، فأتى المدينة، فقال له النبي ﷺ: «مَا جَاءَ بِكَ أَبَا وَهْبٍ ؟ قَالَ: قِيلَ إِنَّهُ لَا دِينَ لِمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ، قَالَ: ارْجِعْ أَبَا وَهْبٍ إِلَى أَبَا طَح مَكَّةَ، فَقَرُّوا عَلَى مَسْكِنِكُمْ فَقَدْ انْقَطَعَتْ الْهِجْرَةُ وَلَكِنَّ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، فَإِنَّ اسْتَنْفِرَتُمْ فَانْفِرُوا» رواه ابن عساكر.

فإن ذلك كله نفي للهجرة بعد فتح مكة. إلا أن هذا النفي معطل بعلة شرعية تستنبط من الحديث نفسه، إذ قوله: «بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ» جاء على وجه يتضمن العلية، فهو يعني أن فتح مكة هو علة نفي الهجرة. وهذا يعني أن هذه العلة تدور مع المعول وجوداً وعدماً ولا تختص بمكة بل فتح أي بلد، بدليل الرواية الأخرى: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ». ويؤيد ذلك ما رواه البخاري عن عائشة، وسئلت عن الهجرة فقالت: «لَا هِجْرَةَ أَيُّومٍ، كَانُ الْمُؤْمِنُ يَفْرُ بَدِينِهِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَحَافَةً أَنْ يُفْتَنَ. فَأَمَّا أَيُّومُ فَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ، وَالْمُؤْمِنُ يَعْبُدُ رَبَّهُ حَيْثُ شَاءَ» مما يدل على أن الهجرة كانت من المسلم قبل الفتح فراراً بدينه محافة أن يفتن، ونفيت بعد الفتح لأنه صار قادراً على إظهار دينه والقيام بأحكام الإسلام. فيكون الفتح الذي يترتب عليه ذلك هو علة نفي الهجرة وليس فتح مكة وحدها. وعليه فإن ذلك يراد به لا هجرة بعد الفتح من بلد قد فتح. وقوله عليه الصلاة والسلام لصفوان قد انقطعت يعني من مكة بعد أن فتح؛ لأن الهجرة الخروج من بلد الكفار ومن دار الكفر، فإذا فتح البلد وصار دار إسلام لم يبقى بلد الكفار ولا دار كفر فلا تبقى فيه هجرة، وكذلك كل بلد فتح لا يبقى منه هجرة. ويؤيد ذلك ما روى أحمد من طريق معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا تَنْقُطُ الْهِجْرَةَ مَا تَقُبِّلَتْ التَّوْبَةُ، وَلَا تَزَالُ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً حَتَّى تَطْلَعَ الشَّمْسُ مِنْ الْمَغْرِبِ» وروى أحمد أيضاً عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ الْهِجْرَةَ لَا تَنْقُطُ مَا كَانَ الْجِهَادُ» وفي رواية أخرى عنه «لَا تَنْقُطُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتَلَ الْعَدُوُّ فدل ذلك على أن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام باقية لم تنقطع.

٢- ومن كان قادراً على الهجرة، ولكنه يستطيع إظهار دينه في بلده، والقيام بأحكام الشرع المطلوبة منه، فإن الهجرة في هذه الحال مندوبة وليست فرضاً... ودليل ذلك أن الرسول ﷺ كان يُرغب في الهجرة من مكة قبل الفتح حيث كانت دار كفر، وقد جاءت آيات صريحة في ذلك ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة ٢١٨] وقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعظمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ﴾ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴿٢٠﴾ [التوبة]، وهذا كله صريح في طلب الهجرة. وأما كوفاً ليست فرضاً فلأن الرسول ﷺ قد أقر من بقي في مكة من المسلمين. فقد روي أن نعيم النحام حين أراد أن يهاجر جاءه قومه بنو عدي فقالوا له: أقم عندنا وأنت على دينك، ونحن تمنعك عنمن يريد أذاك، واكفنا ما كنت تكفينا. وكان يقوم بيتنامى بني عدي وأرام لهم فتخلف عن الهجرة مدة ثم هاجر بعد، فقال له النبي ﷺ: ﴿قَوْمُكَ كَانُوا خَيْرًا لَّكَ مِنْ قَوْمِي لِي، قَوْمِي أَخْرَجُونِي وَأَرَادُوا قَتْلِي، وَقَوْمُكَ حِفْظُوكَ وَمَنْعُوكَ﴾ ذكره ابن حجر في الإصابة.

٣- أما الذي لم يقدر عليها، فإن الله عفا عنه، وهو غير مطالب بها، وذلك لعجزه عن الهجرة، إما لمرض أو إكراه على الإقامة، وإما لضعف كالنساء والولدان وشبههم، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرَّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوُلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾.

٤ - وأما الذي يستطيع إظهار دينه في بلده والقيام بأحكام الشرع المطلوبة، وفي الوقت نفسه يملك القدرة على تحويل دار الكفر التي يسكنها إلى دار إسلام، فإنه يحرم عليه في هذه الحالة أن يهاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام، سواء أكان يملك القدرة بذاته أم بتكثله مع المسلمين الذين في بلده، أم بالاستعانة بمسلمين من خارج بلده، أم بالتعاون مع الدولة الإسلامية، أم بأية وسيلة مشروعة من الوسائل، فإنه يجب عليه أن يعمل لجعل دار الكفر دار إسلام، وتحرم عليه حينئذ الهجرة منها، ودليل ذلك أن العمل لضم بلده إلى دار الإسلام هو فرض وأي فرض، فإذا لم يؤده وهو قادر على أدائه، فترك العمل للضم، وهاجر، فقد أتم كترك أي فرض.

وعليه فإنه إن كانت هناك دار إسلام، فإن الاستيطان في دار الكفر لمن وجبت عليه الهجرة هو حرام. وفوق ذلك فإن الاستيطان في دار الكفر يجعل المسلم من أهل الكفر، فتطبق عليه أحكام دار الكفر من حيث العلاقات بالدولة الإسلامية، ومن حيث العلاقات بغيره من الأفراد. فلا يقام عليه الحد، ولا تستوفي منه الزكاة، ولا يرث غيره ممن هو في دار الإسلام، ولا تجب له النفقة على من هو في دار الإسلام ممن تجب عليه له لو كان في دار الإسلام، لأن أهل دار الكفر لا تطبق عليهم أحكام الشرع، فليس لهم ما للمسلمين وليس عليهم ما على المسلمين فلا تشملهم الأحكام. والدليل على ذلك هو أن المسلمين لا يطلبون ممن في دار الكفر الإسلام فحسب، بل كذلك أن يدخلوا تحت سلطان الإسلام. فقد روى سليمان بن بريدة عن أبيه قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَرَ أَمِيرًا عَلَى جُنْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْ صَافَةٍ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقَوَى اللهِ»

وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: اغْرُزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَاتْلُوا مِنْ كَفَرِ بِاللَّهِ، اغْرُزُوا وَلَا تَعُلُّوا وَلَا تَعْدِرُوا وَلَا تَمْتَلُّوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خَالَ، فَإِذَا تَبَّهَتْ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكَفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ اذْعُنْهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكَفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ اذْعُنْهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْرِفْهُمْ أَنْهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْرِفْهُمْ أَنْهُمْ يَكُونُونَ كَافِرًا الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفِيءِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهَدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ...» رواه مسلم، فالرسول ﷺ يقول: «ثُمَّ اذْعُنْهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْرِفْهُمْ أَنْهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ» رواه مسلم، فهذا نص يشترط التحول ليكون لهم ما لنا وعليهم ما علينا، أي لتشملهم الأحكام. فإن قوله: «وَأَخْرِفْهُمْ أَنْهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ» مفهومه أنهم إن لم يفعلوا ذلك فليس لهم ما للمهاجرين وليس عليهم ما على المهاجرين. لأن حصول الجزاء معلق على حصول الشرط، فإذا لم يحصل الشرط لا يحصل الجزاء. فإن لم يتحولوا لم يكن لهم ما للمسلمين في دار الإسلام. ثم إن قول الرسول ﷺ: «فَأَخْرِفْهُمْ أَنْهُمْ يَكُونُونَ كَافِرًا الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ» هذا من ناحية عدم قتلهم وعدم أخذ أموالهم غنائم لا من ناحية الأحكام. إذ إن موضوع الأحكام الشرط السابق صريح فيها. وقد زاد الرسول ﷺ مسألة المال إيضاحاً فقال في الحديث نفسه: «وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفِيءِ شَيْءٌ» فاعتبر الرسول ﷺ امتناعهم عن التحول مسقطاً لحقهم في الفيء والغنيمة سائر الأموال، أي سقطت حقوقهم المتعلقة بالمال. فيكون من لا يتحول إلى دار المهاجرين من حيث حكم المال كغير المسلمين من حيث حرمانه من حقوقه فيه أي الحقوق المالية، فليس له ما للمسلمين وليس عليه ما على المسلمين، وهذا يعني عدم تطبيق الأحكام المالية عليه لأنه لم يتحول إلى دار المهاجرين. فهذا تأكيد للحقوق المالية وإن كانت جميع الأحكام لا تطبق عليه لقول الرسول ﷺ: «إِنَّ فَعَلُوا ذَٰلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ». ثم إن دار المهاجرين (المدينة في ذلك الوقت) كانت هي وحدها دار إسلام، وما عداها كان دار حرب أي دار كفر، ولذلك كان الرسول ﷺ يغزو كل بلد غير دار المهاجرين باعتبارها دار حرب، بدليل ما روي عن أنس قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا غَزَرَ قَوْمًا لَمْ يَغْرُ حَتَّىٰ يُصْبِحَ، فَإِنَّ سَمْعَ أَذَانًا أُمِسَكَ، وَإِنَّ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ بَعْدَ مَا يُصْبِحُ» رواه البخاري. وما روي عن عصام المزني قال: كان النبي ﷺ إذا بعث سرية يقول: «إِذَا رَأَيْتُمْ مَسْجِدًا أَوْ سَيَعْتُم مَّنَادِيًا فَلَا تَقْتُلُوا أَحَدًا» رواه الخمسة إلا ابن ماجة وقال الترمذي حسن غريب، فإن هذين الحديثين يدلان على أن الرسول ﷺ كان يعتبر غير دار المهاجرين دار حرب، أي دار كفر ولو كان يسكنها مسلمون، وحكمها حكم دار الكفر. ولا يفرق فيها بين المسلمين وغير المسلمين إلا بأن المسلمين لا يقتلون ولا يقاتلون ولا تؤخذ أموالهم غنائم، وغير المسلمين يقاتلون ويقتلون وتؤخذ أموالهم غنائم، وما عدا ذلك فالحكم سواء. فكل بلاد غير دار الإسلام تعتبر دار حرب، وتأخذ أحكام دار الحرب. فهذا كله يدل على أن الحكم للدار، وأن من استوطن دار الحرب أي دار الكفر، سواء أكان مسلماً أم كافراً، مع وجود دار الإسلام يستوطنها، تنطبق عليه أحكام دار الحرب، والمسلم والكافر في ذلك سواء، سوى أن المسلم في حال فتحها عنوة لا يقتل ولا تؤخذ أمواله غنائم، كما أن من استوطن دار الإسلام تنطبق عليه أحكام دار الإسلام، والمسلم والذمي في ذلك سواء. فاختلفات الدار تترتب عليه أحكام. فمن استوطن دار الكفر مسلماً كان أو غير مسلم لا تشمل له مطلقاً أحكام الإسلام التي تطبقها الدولة الإسلامية لقول الرسول ﷺ في حديث سليمان بن بريدة: «أَنْهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ» فإن مفهومه أنهم إن لم يفعلوا ذلك، أي لم يتحولوا إلى دار المهاجرين، فليس لهم ما للمهاجرين وليس عليهم ما على المهاجرين، أي لا تشملهم أحكام الإسلام المطبقة في الدولة الإسلامية (دار الإسلام) لأهم لا يحملون تابعيتها، ولا يشملهم إلا حكمان اثنان هما: عصمة دهم وعصمة مالهم عند فتح دار الكفر التي يعيشون فيها، وذلك لأنهما مستثناة بقول الرسول ﷺ: من طريق عبد الله بن عمر قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنْ يُحَمِّدُوا رَسُولُ اللهِ وَيُصَلُّوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا عَصَمُوا مِنْ يَدَيِّ دَمَاءِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحَسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» متفق عليه من حديث عمر وأبي هريرة وابن عمر وغيرهم واللفظ لمسلم. وأما من استوطن دار الإسلام مسلماً كان أو ذمياً فتشمله جميع أحكام الإسلام التي تطبقها الدولة في دار الإسلام إلا ما استثناه الشرع لغير المسلمين كعبادتهم..

وهذا الاعتبار للدار من حيث كونها دار كفر أو دار إسلام هو ما يطلق عليه اسم التابعة. فمن كان يستوطن دار الإسلام مسلماً كان أو ذمياً، كان حاملاً للتابعة الإسلامية (تابعة دار الإسلام). فتطبق عليه أحكام الإسلام من قبل الدولة، ومن كان يستوطن دار الكفر مسلماً كان أو كافراً، كان حاملاً لتابعة دار الكفر فلا تطبق عليه أحكام الإسلام من قبل الدولة. ولذلك فإن العبرة بالاستيطان وليس بالإقامة المؤقتة، فلو أن مسلماً يستوطن دار الإسلام وذهب لدار الكفر للتجارة أو للتداعي أو لطلب العلم أو لزيارة أقاربه أو للنزهة أو لأي غرض وأقام هنالك أشهراً أو سنوات ولكنه كان يحمل التابعة الإسلامية، أي كان يستوطن دار الإسلام وسيرجع إليها، فإنه يعتبر من أهل دار الإسلام، ولو كان ساكناً في دار الكفر. ولو أن مسلماً يستوطن دار الكفر وجاء لدار الإسلام للتجارة أو للتداعي أو لطلب العلم أو لزيارة أقاربه أو للنزهة أو لأي غرض وأقام في دار الإسلام يوماً أو شهراً أو سنة أو أكثر ولكنه لم يحمل تابعة الدولة الإسلامية بل استمر في محله تابعة الكفر أي كان يستوطن دار الكفر وسيرجع إليها فإنه يعتبر من أهل دار الكفر فتطبق في حقه أحكام المستأمن فلا يدخل دار الإسلام إلا بأمان أي إلا بإذن من الدولة، فالموضوع ليس الإقامة المؤقتة مهما طال بل الموضوع الاستيطان أي حمل التابعة.

وعلى هذا فإنه إذا قامت الدولة الإسلامية فُوجدت الخلافة، صارت البلاد التي تحكمها بسلطان المسلمين وبأمان الإسلام دار إسلام، وما عداها ينظر فيه، فإن كان لا يحكم بالإسلام، أو كان أمانه بأمان الكفر، كان دار كفر أي دار حرب، ولو كان جميع أهله مسلمين، وتنطبق عليه أحكام دار

الحرب. وأما إن كان يحكم بالإسلام، وأمانه بأمان الإسلام، ولكنه لم ينضم إلى الخلافة، فإنه يكون دار إسلام، وتنطبق عليه أحكام الإسلام. ويكون حكمهم كحكم البغاة تصح عقودهم، ويصح نصبهم للقضاء والولاية، ويصح حكم قضائهم وولاتهم، ولكن يقاتلون للدخول في بيعة الخليفة، حديث: «إِذَا بُويِعَ خَلِيفَتَيْنِ فَافْتَلُوا الآخِرَ مِنْهُمَا» رواه مسلم عن أبي سعيد، أي قاتلوه. وعلى هذا فمتى قامت الدولة الإسلامية في قطر من أقطار المسلمين كالعراق وتركيا وسورية مثلاً، فإنه يكون حكم المسلم الذي يستوطن إنجلترا أو أمريكا أو روسيا أو غيرها من ديار الكفر وبلاد الكفار هو حكمهم من يكون في دار الحرب لا فرق بين المسلم والكافر سوى بعصمة دمه وماله عند فتح تلك البلاد. وأما المسلمين الذين يكونون في بلاد مسلمة فأخم إن طبقوا الإسلام ولم يدخلوا في الخلافة كانت بلادهم دار إسلام، وحكمهم حكم البغاة. أما إن لم يطبقوا الإسلام فأخا تكون دار كفر. وكذلك كل قطر من بلاد الإسلام إذا ظل غير مطبق للإسلام، أو كان أمانه الخارجي بغير أمان المسلمين، فإنه يعتبر دار كفر، وتطبق في حقه أحكام دار الحرب، ولو كان جميع أهله مسلمين. ولا فرق بين أن يكون مجاوراً للدولة الإسلامية، أي للبلاد التي يحكمها خليفة المسلمين، أو كان غير مجاور لها. فالدولة الإسلامية تعتبر جميع البلاد الإسلامية التي كانت تحكم بالإسلام، أو كانت أكثريتها من المسلمين، بلاداً إسلامية واحدة يجب أن تُضم للدولة الإسلامية، وأن تُخضع للراية الإسلامية، وأن تكون في عنقها بيعة للخليفة.

وكلمة أمان الإسلام المراد منها أن يَأمَن بسلطان الإسلام، وكلمة أمان الكفر المراد منها أن يَأمَن بسلطان الكفر. قال في القاموس المحيط: (الأمن والأمين كصاحب ضد الخوف أمن كفر أمناً وأماناً بفتحهما) وأخرج أبو داود عن سعد قال: «لِمَا كَانَ يَوْمٌ فَتَحَ مَكَّةَ أَمَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَسَمَّاهُمُ» وعن أبي بن كعب «فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ قَالَ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُ: لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ ﷺ أَمَنَ الْأَسْوَدُ وَالْأَبْيَضُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا نَاسًا سَمَّاهُمُ» أخرججه أحمد في المسند بإسناد حسن، وأخرج نحوه الحاكم في مستدركه وابن حبان في صحيحه، كلاهما عن أبي ابن كعب رضي الله عنه. فهذا هو معنى الأمان. وإضافته إلى الإسلام أو إلى الكفر إنما هي إضافة إلى السلطان الذي يؤمن، لأن الأمان في الدولة إنما هو للسلطان. فأمان الإسلام هو الأمان بسلطان المسلمين، وأمان الكفر هو الأمان بسلطان الكفار.

والأمان الداخلي هو أن يَأمَن كل واحد من الرعية على عرضه ودمه وماله بأمان السلطان، وأما الأمان الخارجي فهو أن تكون الدولة حامية حدودها من الغارة عليها بسلطاناً هي لا بسلطان غيرها.

وأما البند الثاني من المادة فإن دليله أن الإسلام أجاز عقد المعاهدات مع الدول قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثاقٌ﴾ [النساء ٩٠] وقال: ﴿وإن كان من قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثاقٌ فِدِيَةٌ﴾ [النساء ٩٢] وقال: ﴿وإن أَسْتَنصَرُواكُمْ فِي الَّذِينَ فَعَلُواكُمْ﴾ [الأنفال ٧٢] والميثاق في هذه الآيات هو المعاهدة. والرسول ﷺ عقد معاهدة مع يوحنة بن رُبِيعَة صاحب أيلة، وعقد معاهدة مع بني ضمرة. وتطبق في هذه المعاهدات الشروط التي تتضمنها ويجب أن يتقيد المسلمون بهذه الشروط لقوله ﷺ: «وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح، على أن لا يكون هذا الشرط مناقضاً للإسلام، فإن كان مناقضاً للإسلام رفض لقول الرسول ﷺ في حديث الترمذي: «إِلَّا شُرَطاً حَرَّمَ حَلَالاً أَوْ أَخَلَّ حَرَاماً» ولقوله ﷺ: «مَا كَانَ مِنْ شُرُطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بِاطِلٍ» متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها، فيقوم المسلمون بتنفيذ هذه الشروط حسب ما وردت في نصوص المعاهدات إن كانت لا تخالف الإسلام. فدليل هذه الفقرة هو دليل جواز المعاهدات، ودليل وجوب الوفاء بالشروط.

وأما القسم الثاني من هذه الفقرة المتعلق بالعلاقات الاقتصادية والتجارية، فإنه نظراً لما يمكن أن ينشأ من المعاهدة الاقتصادية من ضرر على الأمة كأن كانت تخرج المواد الخام من البلاد، أو كانت تسبب إقفال مصانع البلاد أو ما شاكل ذلك، فأخفا تحدد بما لا ضرر منه وتمنع من كل ما فيه ضرر؛ عملاً بقاعدة (كل فرد من أفراد المباح إذا كان يؤدي إلى ضرر يمنع ذلك الفرد ويبقى الشيء مباحاً) وكذلك الحال في المعاهدات التجارية.

وتعتبر هذه الدول دولاً محارية حكماً، وذلك لأن كوهن كفاراً لم يخضعوا لسلطان الإسلام، فأخهم يعتبرون محاريين، لأن الرسول ﷺ يقول: «أُمِرْتُ أَنْ أَقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» فهو عام، وكوهن يعتبرون محاريين حكماً، أي بالنسبة للأحكام، فإنه بسبب المعاهدات التي بيننا وبينهم.

وأما البند الثالث فدليله هو دليل أحكام دار الحرب في حال عدم وجود ميثاق بيننا وبين أهلها. وأما الدول التي نص عليها في المادة، فإن دليل عدم إيجاد علاقات ديلوماسية معها كون سفاراتها إذا وجدت في البلاد الخاضعة لسلطان الإسلام يحصل منها ضرر؛ لأن هذه السفارات مثل هذه الدول عملها هو محاولة بسط سيطرة دولها على البلاد التي تكون فيها هذه السفارات؛ ولذلك تمنع عملاً بقاعدة منع فرد من أفراد المباح إذا كان يوصل إلى ضرر. إلا أنه لا يمنع رعاياها من دخول البلاد إلا من كان دخوله يوصل إلى ضرر. ولا يمنع الرسول المؤقت من دخول البلاد إلا إذا كان شخص الرسول المرسل لا رسوله مطلقاً يؤدي دخوله إلى ضرر.

وأما أن هذه الدول تعتبر محاربة حكمماً فلاهم يدخلون تحت قوله ﷺ «أَمَرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» حيث إهم كفار، وأما اعتبارهم محاربين حكمماً لا فعلاً؛ فلأنه لا يجري قتال فعلي بيننا وبينهم، ولأنه لم تعلن بيننا وبينهم حالة الحرب الفعلية لا من قبلنا ولا من قبلهم. وأما إذا أصبحت هذه الدول، كلها أو بعضها في حالة حرب فعلاً، أي اعتدت على بلاد المسلمين، فأما تعامل معاملة الحرب الفعلية في البند الرابع، ولذلك فإن أمريكا وبريطانيا بعد عدواهما على العراق وأفغانستان وكذلك أية دولة أخرى تعلن الحرب على أي بلد من بلاد المسلمين فأما تصبح محاربة فعلاً، وتطبق عليها أحكام الحرب الفعلية ما دامت حالة الحرب هذه قائمةً بيننا وبينهم.

وأما البند الرابع فدليله هو دليل الجهاد من الأمر بقتال الكفار، وأدلة استحلال دماء وأموال غير المسلمين منهم، وأدلة القتال في المعركة، قال تعالى: ﴿قَتِلُوا الَّذِينَ يُلُونَكُمْ مِنْ الْكَفَّارِ﴾ [التوبة ١٢٣]، وقال عليه الصلاة والسلام: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» متفق عليه واللفظ لمسلم، ويستثنى منهم المسلمون لقول الرسول ﷺ: «فَإِذَا فَعَلُوا عَصَمُوا مِمَّنِّي دَمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا» وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بَغْضَاءً مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال ١٦]، ولقول الرسول ﷺ: «اجْتَنِبُوا السَّعَةَ الْمُوبِقَاتِ» وعددها إلى أن قال: «وَالْتَقُوا يَوْمَ الرَّحْفِ» متفق عليه من حديث أبي هريرة، وغير ذلك من أحكام القتال وأحكام المعركة وسائر أدلة دار الحرب وأدلة المعركة.

ولا يجوز الصلح الدائم مع هذه الدول الخاربية فعلاً، أي وقف القتال الدائم أو الهدنة الدائمة لأن هذا يُعطل الجهاد، وهو ماضٍ إلى يوم القيامة، كما أن الهدنة الدائمة تمنع نشر الإسلام حتى يظهر الله سبحانه على الدين كله. يقول الله سبحانه ﴿وَقَتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ اللَّهُ الدَّيِّنَ كُلَّهُ﴾ [الأنفال ٣٩]، ويقول الرسول ﷺ: «وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي اللَّهُ إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِي الدَّجَّالَ» أخرجه أبو داود من طريق أنس رضي الله عنه.

أما عن الصلح المؤقت مع هذه الدول، والوقف المؤقت لحالة الحرب، فإنه ينظر:

أ- إذا كانت الدولة، التي تجري بيننا وبينها الحرب الفعلية، لها أرض غير إسلامية يقوم كيائاً عليها فإنه يجوز الصلح معها بهدنة مؤقتة، أي وقف حالة الحرب معها مدة مؤقتة، إذا كان ذاك الوقف في مصلحة الإسلام والمسلمين، وبشروط يقرها الشرع.

ودليل ذلك صلح الحديبية فهو كان بين الدولة الإسلامية، الدولة التي أقامها الرسول ﷺ في المدينة، وبين دولة قريش القائم كيائاً على أرض لها لم يفتحها الإسلام بعد، أي لم تكن أرضاً إسلامية.

ب- أما إذا كانت الدولة، التي تجري بيننا وبينها الحرب الفعلية، قائماً كيائاً كله على أرض إسلامية، أي لا يضم كيائاً أرضاً لها لم يفتحها المسلمون بعد، مثل (إسرائيل) دولة يهود المغتصبة لفلسطين، فإنه لا يجوز الصلح معها، لأن قيام هذه الدولة باطل شرعاً، ولأن الصلح معها يعني تنازلاً لها عن أرض إسلامية ولا بدّ، وهذا حرام وجريمة في الإسلام، بل يجب أن تستمر حالة الحرب الفعلية معها قائمة، سواء أكانت هناك هدنة عقدتها معها الحاكم غير الشرعيين في بلاد المسلمين أم لم تكن.

وهكذا فإن أي صلح مع دولة يهود ولو على شبر من الأرض هو حرام شرعاً لأنها مغتصبة ومعتدية، كيائاً قائم كله على أرض المسلمين، والصلح معها هو تنازل لها عن أرض إسلامية، وتمكينها من تملكها ومن السيطرة على المسلمين فيها، وهذا لا يجوز شرعاً. والإسلام يحتم على المسلمين جميعاً محاربتها، فتنفر جيوشهم للقتال، وتجمع القادرين جنوداً فيها، ويستمر ذلك حتى القضاء.

على دولة يهود واستنقاذ بلاد المسلمين منها، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء]، وقال سبحانه: ﴿فَمَن أَعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ١٩٤]، وقال تعالى: ﴿وَأُخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أُخْرِجُوا﴾ [البقرة ١٩١].

‹ ›